النقابة الوطنية للتعليم العالي ... النخبوية المقيدة: صناع الأطر وبناة جسور التنمية

سبت, 05/04/2025 - 11:59
د محمذن فال محمد يحظيه/ أستاذ النحو والصرف بجامعة المحظرة الشنقيطية الكبرى بأكجوجت.

من البديهي المسلم به من قبل الجميع أن من الأهداف الكبرى التي تسعى إليها الدولة في مختلف تمظهراتها على مر العصور "تحقيق رفاه مشترك" و"نماء عاما" و"ازدهارا شاملا"؛ ومن " المعلوم بالضرورة " في علم الإدارة أن الوسيلة المثلى لذلك - بالإضافة إلى توفر الموارد الأولية – وجود كادر بشري مؤهل علميا ومعرفيا ومهنيا؛ يتمتع بانتماء وطني واع؛ ويتشبع بقيم الإنجاز والعمل؛ ومن المؤكد أن مؤسسات التعليم عموما والتعليم العالي خصوصا هي " مراكز إكساب المعرفة" و"صقل العقول"وتنمية المهارات"؛ و"توسيع الخيارات الإدراكية"؛ ومجمع " تجمعات القوى الحية"ذات" القوة الاقتراحية العالية"؛ وهو ما جعل أطرها ومؤطريها يتمتعون بمكانة مرموقة وأهمية قصوى وتأثير كبير؛ لما يؤهلون من كوادر قادرة على الإسهام في النهوض بالأوطان؛ ولما ينتجون من معارف تسهم في إيجاد الحلول لكبريات المعضلات في مختلف المجالات؛ فأساتذة التعليم العالي من مختلف التخصصات هم صناع الأطر وبناة جسور التنمية؛ بيد أنهم يعانون من " نخبوية مقيدة" تسقف مطالبهم؛ وتضبط إيقاع حركتهم؛ في ردهات الجامعات؛ ومنعطفات الحياة العامة؛ مما يؤثر أحيانا على فاعليتهم المنشودة؛ ويحد من تأثيرهم في ميدان التدافع عملا وتقييما.

 

النقابة الوطنية للتعليم العالي على عتبة المؤتمر 

 

تستعد النقابة الوطنية للتعليم العالي بعد أيام لعقد مؤتمر نقابي عام تجدد فيه الهيئات؛ وتقيم فيه الإنجازات؛ وترسم فيه السياسات؛ وتحدد فيه الأولويات؛ وإدراكا مني لأهمية اللحظة النقابة الحالية وتأسيسا على حصيلة الفترة المنصرمة سأقدم بين يدي المؤتمر أفكارا أرى أنها قد تفيد النقابة في الحد من تأثير "نخبويتها المقيدة"؛ وتفتح آفاق مسؤولي النقابة لما هو أوسع من المطالب "المادية البحتة" التي يحكم التفكير فيها سلوك معظم أساتذة التعليم العالي؛ وتضيف" طرق الحصول عليها" وتحقيقها"قيودا" هي الأخرى تمنع كثيرين من أساتذة التعليم العالي من استنفاد ما بوسعهم من أجل تطوير البنى المعرفية التي يشكلون عمودها الفقرى...

 

لا يختلف اثنان من أساتذة التعليم العالي أن الهيئات المنصرمة حققت مكاسب معتبرة سواء على مستوى اتفاق الزيادات؛ وحلحلة مشكل الترقيات جزئيا؛ بالإضافة لميدانية مشهودة وتفاعل جيد؛ بيد أنه لا يختلف اثنان أيضا من أساتذة التعليم العالي أن خاتمة ما حدث في الدفعة الأخيرة من الزيادة ليست مريحة ؛ وقد أثرت الطريقة التي تعاطت بها النقابة معها(التساهل مع التأخير الطويل؛ والتجاهل المريب لعدم الوفاء بمقتضى الاتفاق) حتى الآن على صورة الإنجاز الكلي رغم أهميته؛ مما فتح الباب أمام التفسير والتفسير المضاد؛ زيادة على ما تم في موضوع القطع الأرضية من مراوحة المكان.

 

 إن عدم استخدام الإمكان المتاح للنقابة في هذين الملفين اللذين يمسان بصورة مباشرة الغالبية العظمى من جسم النقابة ولد بعض الإحباط لدى هذه الغالبية العظمى؛ وهو ما يتجلى حاليا في إرهاصات المؤتمر المقبل.

 

النقابة الوطنية للتعليم العالي ... من المادي إلى المعنوي 

 

يجمع أساتذة التعليم العالي على أن المهمة الأولى للنقابة الوطنية للعليم العالي هي السعي إلى الرفع من المستوى المادي والمعنوي لمنتسبيها وصيانة مكتسابتاتهم المتحققة بشكل تراكمي؛ ويكاد الإجماع ينعقد على أن المطالب المادية الملحة لأساتذة التعليم العالي حاليا تتلخص في:

 

منح قطع أرضية لمن لم يجدوها سابقا تسهم في حل إشكال السكن؛ ذلك أن الدفعات المكتبة من 2011م إلى اليوم لم تستفد من هذه القطع؛ رغم حاجتها الماسة؛ وبالرغم من الاستفادة المتكررة لمنسوبي قطاعات حكومية عديدة؛

 

تسوية وضعية التقاعد؛ إذ يشكل وضعها الحالي أكبر كارثة تنتظر الأستاذ الجامعي عند تقاعده؛ ذلك أنه يصبح لحظة التقاعد في عداد الفقراء والمتسحقين للتسجيل فورا في السجل الاجتماعي لتآزر؛

إعادة النظر في الرتب الأكاديمية الحالية الموجودة في نظام التعليم العالي؛ بإلغاء رتبة أستاذ مساعد؛ لأنه يقوم بكل المهام التأطيرية والتربوية المنصوص على أنها من واجبات الأستاذ المحاضر- بل أكثر من ذلك -؛ لأن بعض المؤسسات لا يوجد بها أصلا إلا الأساتذة المساعدون؛ نظرا لحصر الاكتتاب في رتبة أستاذ مساعد؛ كما يجب أيضا تقليص الفترات الزمنية المطلوبة للانتقال من رتبة إلى أخرى؛ ذلك أن كثيرا من المهام الأكاديمية(منسقيات الماستر؛ رئاسة وحدات البحث؛ إدارة مدارس الدكتوراه..) متعطلة في كثير من المؤسسات لغياب الرتب المخولة قانونيا شغل هذه المناصب؛

 

الرفع من مستوى الأجور بما يتناسب طرديا مع مستوى التضخم؛ والارتفاع الجنوني للأسعار؛ والازدياد المتزايد لتكاليف العيش الكريم؛ مع الوفاء فورا بمقتضيات الاتفاق السابق الموقع بين النقابة ووزارة المالية؛

 

إن هذه المطالب رغم أهميتها وإلحاحيتها وجوهريتها ينبغي أن لا تكون هي كل مطالب نقابة تضم نخبة قادة الرأي العلمي والفكري؛ وصناع الأطر وبناة جسور التنمية؛ ومن هنا أقترح أن تضيف النقابة لعريضتها المطلبية المقبلة المطالبة الآتية:

 

تشجيع البحث العلمي؛ وذلك من خلال إلزامية إنشاء نوادي البحث العلمي وجمعياته داخل مختلف التخصصات؛ وإلزام الأساتذة باستمرار النشر العلمي؛ ورصد جوائز سنوية لأحسن مقال ينشر؛ أو ورقة علمية تقدم؛ أو جدارية تعرض ....

 

لفت انتباه الجهات المعنية؛ إلى أنه ينبغي قبل إنشاء أي مؤسسة تعليم عال أن يتم اكتتاب الأساتذة المؤطرين لصالح هذه المؤسسة ضمانا للانطلاق الجاد؛ وتفاديا لما يحدث من إشكالات قانونية نتيجة " الفراغ" ؛ وما ينتج عن كل ذلك من تشكل مصالح ومكاسب لهجات غالبا ما تكون خارجة عن جسم التعليم العالي غير مدركة لمتطلباته وأولياته وآلياته المعرفية والتسييرية؛

 

الإيجاد الفعلي للبنى التحتية (مكاتب؛ مدرجات؛ قاعات تدريس؛ مكتبة؛ ...) لأي مؤسسة تعليم عال قبل افتتاحها بشكل رسمي تفاديا لكثير من العقبات التي تنتج عن غياب هذه البنى – والأمثلة من الواقع المعاش كثيرة- وهو ما يؤثر على القدرة الاستيعابية والاستقطابية لهذه المؤسسات ويحد من فاعليتها وقدرتها على القيام بالمهام الموكلة إليها؛ ويمنعها من تحقيق الأهداف المنوطة بها؛

 

تفعيل النظم التي تحكم قطاع التعليم العالي؛ وتنظم مؤسساته؛ وتحدد طرق تسييرها؛ وتوجه سياساتها؛ فهي للأسف الشديد في غالبها ما بين معطل؛ ومخترق؛ ومشوه؛

 

زيادة الاستثمار المعرفي والعمراني والمادي في قطاع التعليم العالي؛ ليواكب بجدارة القرار الجريء بتحقيق الاستقلال الوطني في مستوى السلك الأول والثاني من التعليم العالي، هذا القرار على أهميته يتطلب تحقيقه استثمرارا كبيرا في البنى المعرفية والعمرانية والبشرية ...

 

وختاما – زملائي  في النقابة الوطنية للتعليم العالي – يجدر بكم وأنتم تتوجهون إلى تجديد هيئاتكم النقابية أن تعطوا النموذج الذي يتماشى مع "نخبويتكم" في تسيير المشترك؛ والإعلاء من قيمة الهم العام؛ والابتعاد عن كل ما من شأنه تعكير وحدة الأساتذة؛ فهي وحدها بعد توفيق الله تعالى القادرة على تحقيق مطالبكم وصون مكتسباتكم؛ ولا يعني هذا الدعوة حصرا للتوافق على الهيئات النقابية – وإن كان التوافق أليق بنا وأسلم -؛ بل يعني في المقام الأول أن يكون التنافس – إن حدث – شريفا ومضبوطا بضوابط المنافسة الراقية؛ وبعيدا عن كل الأساليب التي لا تلائم مقامات منتسبي النقابة وصفات أعضائها، وأعتقد في هذا السياق أن يجب مراعاة أمرين مهمين:

 

ضمان استمرار مسيرة نقابتنا النضالية؛ وذلك من خلال المزاوجة الواعية والراشدة بين حضور الشباب بما يناسب حجمهم وحيويتهم واندفاعهم وحماسهم، ويضمن توريث العمل النقابي للجيل الشبابي الجديد، وحضور حكمة الأجيال السابقة، والاستفادة من تجربتها في حلحلة الإشكالات وتحقيق المطالب وصون المكتسبات؛ وبهذه نضمن استمرار مسيرة نقابتنا النضالية ؛

الابتعاد عن الارتهان الانتماءات السياسية؛ وعدم التعبير عنها في لحظات الاختيار ، ورفع شعار: عمل نقابي راشد ، بوصلته الأولى والأخيرة  المصلحة العليا لمنتسبه ومناضليه؛ فإن فعلنا ذلك ضمنا وحدة صف الأساتذة، وقوة النقابة ، وكنا على اختيار الأفضل والأفضل أكثر قدرة ، وأشد حرصا 

والله نسأل أن يوفق نقابتنا لاختيار الأفضل والأمثل.