
يشكل الفساد أحد أكثر الظواهر تدميراً للثقة العامة وكفاءة الإدارة والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية. ولا يقتصر على مجرد دفع رشوة، بل يشمل، بشكل أوسع، مجموعة من الممارسات والسلوكيات التي يقوم من خلالها الشخص باستغلال السلطة أو الوظيفة أو المسؤولية الموكلة إليه للحصول على منفعة شخصية، مباشرة أو غير مباشرة، على حساب المصلحة العامة والعدالة والقواعد المعمول بها.
ويمكن أن ينتشر في الإدارة أو في الشركات العامة أو الخاصة أو في طرق التعاقد أو تسيير الموارد البشرية أو في التصاريح الإدارية أو الرقابة أو المدفوعات أو حتى في العلاقات بين الجمهور وبين المصالح العامة. وفي جميع الحالات، يؤدي إلى نفس التأثيرات: إضعاف الدولة، وتثبيط المواطنين النزهاء، وتشويه المنافسة، وتحويل الموارد العامة عن غايتها، وإفشاء مناخ من الشك بين الجميع.
ويتخذ الفساد أشكالاً متعددة، يمكن تصنيفها إلى ثلاث فئات رئيسية. فالفئة الأولى هي الفساد المباشر، ويعني بشكل خاص الرشاوى والابتزاز، أي الحصول على امتيازات بالإكراه أو الضغط. أما الفئة الثانية فهي الفساد غير المباشر الذي يأخذ شكل استغلال النفوذ والمحسوبية والوساطات أو التدخل المفرط لمصلحة شخص أو مجموعة. وتخص الفئة الثالثة الفساد المالي، ويشمل اختلاس الأموال والاحتيال والفواتير المزيفة والمبالغة في الفواتير والتلاعب المحاسبي أو غسل الأموال.
لكن الفساد لا يزدهر أبداً بالصدفة. فهو يتطور عندما تكون الإجراءات غامضة، والمسؤوليات غير محددة بشكل دقيق، والقرارات غير معللة بما فيه الكفاية، والرقابة ضعيفة، والعقوبات غير مؤكدة. وبالتالي يمكن تلخيص الظاهرة في معادلة بسيطة: الفساد = فرصة مواتية + ضعف الرقابة + ضعف العقوبة. وعلى العكس من ذلك، فإن مكافحة الفساد بشكل فعال تقتضي تقليص الفرص المتاحة أمامه وتعزيز الرقابة، وجعل العقوبات موثوقة وفعالة ورادعة.
وفي موريتانيا، يتم التعامل مع الفساد من خلال مجموعة من النصوص القانونية، ولا سيما القانون الجنائي والقوانين رقم 2025-021/رج ورقم 2025-022/رج ورقم 2025-023/رج بتاريخ 25 يونيو 2025، والنصوص المتعلقة بالحكامة العامة، فضلاً عن الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها البلاد. ومع ذلك، فإن وجود النصوص، مهما كان مهماً، لا يكفي. فمكافحة الفساد لا تقتصر على القانون وحده، بل تتطلب نظاماً متماسكاً يجمع بين القانون والحكامة والرقابة والشفافية والمساءلة واعتماد ثقافة حقيقية للنزاهة.
فالركيزة الأولى في هذه المعركة تتكون من تعزيز الإطار القانوني والمؤسسي. ويتعلق الأمر بوضع قواعد واضحة وإجراءات مكتوبة قابلة للتطبيق ومتاحة، بالإضافة إلى تتبع دقيق للقرارات. كما يجب أن يكون كل قرار إداري أو مالي مهم قابلاً للتوضيح والتوثيق والتحقق والطعن فيه إذا لزم الأمر.
أما الركيزة الثانية فتخص رقمنة الإجراءات. وتقلل الرقمنة من الاتصالات المباشرة بين الموظفين والمستفيدين، وتحد من هوامش التفاوض غير الرسمية، وتؤدي إلى تتبع العمليات آلياً، وتتيح مركزة أفضل للبيانات. وعندما يتم تصميم الرقمنة بشكل جيد تصبح أداة قوية للوقاية والشفافية والرقابة.
وتقوم الركيزة الثالثة على النهوض بالأخلاق وثقافة النزاهة. فمدونات السلوك والإعلانات عن تضارب المصالح والدورات التكوينية المنتظمة واعتبار المسؤولين مثالاً يُقتدى به، كلها معايير أساسية. ويجب ألا يُنظر إلى مكافحة الفساد فقط كتهديد بالعقوبة، وإنما كمطلب أخلاقي ومهني يدل على المواطنة.
أما الركيزة الرابعة فهي تعزيز نظم الرقابة. فالتدقيق الداخلي وعمليات الرقابة المتتالية والتفتيشات المنتظمة والرقابة الخارجية المستقلة تمكن من التعرف على المخاطر واكتشاف مكامن الشذوذ وتصحيح الاختلالات قبل أن تعم. فالرقابة الفعالة ليست فقط رادعة، بل هي أيضاً وقائية وتعليمية.
وتتعلق الركيزة الخامسة بالعقوبات والمكافآت. ويجب أن تكون العقوبات حقيقية ومناسبة ورادعة، فالقاعدة التي لا تُطبق تتحول بسرعة إلى توصية عادية. ومن الضروري أيضاً تثمين السلوكيات النزيهة من خلال الترقيات والمكافآت والامتيازات أو آليات الاعتراف المهني. كما يجب حماية النزاهة وتشجيعها ومكافأتها.
وأخيراً، تُشكل حماية المبلغين عن المخالفات رافعة أساسية، حيث إن العديد من ممارسات الفساد معروفة داخل الإدارات أو المنظمات، لكن نادراً ما يتم الإبلاغ عنها خوفاً من الانتقام. لذلك، يلزم استحداث قنوات إبلاغ آمنة، وضمان السرية، وحماية الأشخاص ذوي النوايا الحسنة، ومعالجة البلاغات المستلمة بسرعة.
ويجب أن تعنى بعض الإشارات باهتمام المسؤولين العموميين وهيئات الرقابة والمواطنين، كالمورد الذي يفوز تلقائياً بالمناقصات أو بفترات سداد غير طبيعية وطويلة أو انتقائية، أو قرارات غير موثقة، أو فروق مالية غير مفهومة، أو حتى الرفض المستمر لتقديم المعلومات. ولا تثبت هذه المؤشرات دائماً وجود فساد، لكنها تشكل إنذارات جدية تستدعي التحقق.
لا يمثل الفساد مجرد مخالفة قانونية؛ إنه مساس بالثقة وتكافؤ الفرص وبسلطة الدولة. وتتطلب مكافحته الشجاعة والمنهجية والاستمرارية. كما تتطلب أن يفهم كل شخص، سواء كان مسؤولاً عاماً أو موظفاً إدارياً أو مدير شركة أو مواطناً أو طالب خدمة، أن النزاهة ليست رفاهية مؤسسية، بل شرط أساسي للتنمية والعدالة ومصداقية العمل العام.
ويبدأ الكفاح الحقيقي ضد الفساد عندما تصبح القواعد واضحة، والقرارات قابلة للتتبع، والرقابة فعالة، والعقوبات موثوقة، والسلوكيات النزيهة محل تقدير اجتماعي. وبهذا المجهود فقط يمكن إرساء حوكمة سليمة واستعادة الثقة وجعل المصلحة العامة البوصلة الدائمة للعمل العام.

.jpeg)
.jpeg)


.gif)
