لماذا يعيّن الرئيس منتقديه؟

أحد, 14/06/2026 - 13:21

تثير بعض التعيينات بين الفينة والأخرى نقاشاً واسعاً، خصوصاً عندما تشمل شخصيات عُرفت في مراحل سابقة بكتابات أو مواقف إعلامية معارضة أو أخرى تتناول قضية الغبن الاجتماعي أو تنتقد بعض الاختلالات القائمة. وبين من يعتبر تلك التعيينات مكافأة على خطاب متشدد، ومن رأى فيها محاولة لاستمالة أصحاب تلك المواقف وإسكاتهم، بين هذا الرأي وذاك، ضاعت زاوية أخرى أكثر أهمية وأقرب إلى فهم فلسفة الحكم التي انتهجها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني منذ وصوله إلى السلطة.

فالدولة، في تصور الرئيس غزواني (وهذا هو العدل) ، ليست ملكاً لفئة سياسية بعينها، ولا حكراً على من يوالون السلطة أو ينسجمون معها في كل المواقف. إنها فضاء جامع لجميع الموريتانيين، تُقاس فيه الكفاءة والاستحقاق بمعايير الدولة لا بمعايير الاصطفاف السياسي أو الخلفيات الفكرية أو العرقية . ولذلك فإن إشراك مواطنين سبق أن عبّروا عن آراء ناقدة أو تبنوا قضايا اجتماعية معينة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره محاباة أو مكافأة، بل باعتباره تجسيداً لمفهوم الدولة التي لا تميز بين أبنائها بناء على مواقفهم أو آرائهم .

لقد أعلن الرئيس هذا التوجه مبكراً، حين أكد في خطاب الأول من مارس 2019 أن موريتانيا يجب أن تكون وطناً يتسع لجميع أبنائه، وأن الانتماء الوطني يعلو على كل الاعتبارات الأخرى. ومنذ ذلك الوقت، ظلت سياساته وخياراته تعكس سعياً متواصلاً إلى بناء دولة الإدماج بدل الإقصاء، ودولة المواطنة بدل التصنيف.

والمفارقة أن الذين يربطون هذه التعيينات بقضية الغبن الاجتماعي يتجاهلون حقيقة أساسية، وهي أن الرئيس غزواني نفسه كان أول رئيس يجعل من معالجة هذا الملف أولوية سياسية معلنة. فقد وجّه جانباً كبيراً من سياساته وبرامجه نحو معالجة الاختلالات الاجتماعية، سواء عبر التدخلات الاستعجالية الرامية إلى تخفيف الهشاشة وتحسين ظروف الفئات الأقل دخلا ، أو عبر المقاربات الاستراتيجية الهادفة إلى معالجة جذور التفاوت وتعزيز تكافؤ الفرص وتوسيع النفاذ إلى الخدمات الأساسية.

ومن هذا المنظور، فإن استيعاب أصحاب الآراء المختلفة داخل مؤسسات الدولة لا يمثل انتصاراً لفئة على أخرى، بل انتصاراً لفكرة الدولة نفسها. فالدولة القوية ليست تلك التي تستبعد المختلفين مع هذا النظام أو ذاك ، وإنما تلك التي تمتلك من الثقة ما يجعلها قادرة على احتضان الجميع والعمل معهم تحت سقف القانون والمصلحة الوطنية.

إن بناء وطن أكثر عدلاً وتماسكاً لا يمر عبر فرز المواطنين وفق مواقفهم السياسية ، بل عبر إشعارهم بأن لكل مواطن مكاناً في دولته، وأن أبواب الخدمة العامة مفتوحة أمامه ما دام قادراً على العطاء. وذلك، في جوهره، هو المعنى الأعمق للنهج الذي كرّسه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني خلال السنوات الماضية.

يبقى أن أنبه أصحاب الرأيين أنه لو كانت التعيينات محاولة لإسكات هذا أو ذاك لحظي بها من سبق هؤلاء ولا يزال يعبر عن ذات الآراء، ولو كانت مكافأة لحظي بها أيضا غيرهم ممن سبقوهم في ذلك. 

لكن الأمر ليس على هذه القاعدة و مرجعيته الحقيقية هي توظيف الكفاءة و تعزيز العدالة الاجتماعية.

والرئيس غزواني هو أول من تبنى خطاب العدالة الاجتماعية ومحاربة الغبن ورفع شعار المساواة وجسده في على مستويي الخطاب الرسمي والسياسات العمومية، ولا يمكن لأي كان أن يزايد عليه في قضايا المهمشين والوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية. 

محمد افو