كيف يمكن محاربة التضخم؟/ البخاري أبوبكر

سبت, 13/06/2026 - 17:27
البخاري أبوبكر أستاذ وباحث

بصفتي حاصلا على ماجستير في تحليل السياسات الاقتصادية وأستاذا لمادتي الاقتصاد الجزئي والاقتصاد الكلي وكانت رسالتي للماجستير حول التضخم كما أواصل بحثي في الدكتوراه حول الموضوع ذاته يبرز سؤال مهم: كيف يمكن محاربة التضخم؟

تمتلك الدول أداتين رئيسيتين لمكافحة التضخم: السياسة النقدية والسياسة المالية.

أولا: السياسة النقدية

يعد البنك المركزي الموريتاني المسؤول عن إدارة السياسة النقدية ومن أهم أدواته معدل الفائدة. وفي اجتماعه الأخير قرر البنك المركزي رفع معدل الفائدة إلى أكثر من 6%، وهو ما يمكن اعتباره اعترافا ضمنيا بوجود ضغوط تضخمية تتطلب التدخل للحد منها.

غير أن مكافحة التضخم تحتاج إلى قرارات جريئة من بنك مركزي يتمتع بقدر من الاستقلالية عن السلطة التنفيذية لأن نتائج هذه السياسات قد لا تكون شعبية على المدى القصير.
فزيادة معدل الفائدة تشجع أصحاب رؤوس الأموال على توجيه مدخراتهم نحو القطاع المصرفي للاستفادة من العوائد المرتفعة كما تؤدي إلى تراجع الطلب على القروض من قبل الأفراد والمؤسسات بسبب ارتفاع تكلفة الاقتراض. ونتيجة لذلك ينخفض الطلب الكلي على السلع والخدمات وهو ما قد يدفع بعض المؤسسات إلى تقليص نشاطها وتسريح جزء من عمالتها "بطالة" مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة وتباطؤ النشاط الاقتصادي.

وفي المقابل فإن خفض معدل الفائدة يشجع الأفراد والمؤسسات على الاقتراض والاستثمار ويحفز الطلب الكلي ويسهم في خلق فرص العمل ورفع معدلات النمو الاقتصادي، إلا أن ذلك قد يؤدي أيضًا إلى زيادة معدلات التضخم إذا لم يكن مصحوبًا بزيادة موازية في الإنتاج.

وفي بعض الحالات، قد تتردد الحكومات في تبني سياسات انكماشية لمواجهة التضخم بسبب كلفتها الاجتماعية والسياسية فتتجه إلى زيادة الإنفاق أو التوسع النقدي بهدف المحافظة على القدرة الشرائية للمواطنين وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط التضخمية على المدى المتوسط والطويل.

وعلى سبيل المثال في واقعنا وبحكم أن اقتصادنا اقتصاد غير منتج ويعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد فإننا نستورد جزءا معتبرا من التضخم من الخارج. وعندما ترتفع الأسعار ويتصاعد تذمر المواطنين يكون أول رد فعل للحكومة هو زيادة الأجور والعلاوات والمساعدات الاجتماعية بهدف تهدئة الرأي العام وتصوير ذلك باعتباره إنجازا دون إيلاء اهتمام كاف للآثار المحتملة لهذه الزيادات على المدى البعيد خصوصا عندما لا تكون مصحوبة بإجراءات اقتصادية وهيكلية تحد من الضغوط التضخمية.
ولو كان لدينا بنك مركزي يتمتع باستقلالية أكبر لكان بإمكانه رفض السياسات التي تزيد من حدة التضخم والتوجه نحو حلول اقتصادية تستهدف خفض الطلب الكلي وإعادة الأسعار إلى مستويات أكثر استقرارا حتى وإن اضطرت الحكومة إلى تحمل التكلفة السياسية والاجتماعية المترتبة على ذلك.
غير أن المشكلة تكمن في أن بعض السياسات العامة بدلا من مراجعتها ومعالجة اختلالاتها عند ظهور نتائجها السلبية يتم التوسع فيها والاستمرار في تطبيقها.

ثانيا: السياسة المالية

تتولى الحكومة من خلال وزارة المالية إدارة السياسة المالية ومن أبرز أدواتها الإنفاق الحكومي والضرائب.
وفي واقعنا الحالي نلاحظ استمرار مستويات مرتفعة من الإنفاق الحكومي رغم وجود ضغوط تضخمية إلى جانب ارتفاع العبء الضريبي واتساع نطاق الضرائب بصورة متزايدة. وهذا يطرح تساؤلات حول مدى انسجام السياسة المالية مع أهداف الاستقرار السعري.
في الختام فإن محاربة التضخم ليست مهمة سهلة لأنها تتطلب تحقيق توازن دقيق بين استقرار الأسعار والحفاظ على النمو الاقتصادي ومستويات التشغيل. ولذلك، فإن أي حكومة تسعى بجدية إلى خفض التضخم يجب أن تكون مستعدة لتحمل التكاليف الاقتصادية والاجتماعية المصاحبة لهذه السياسات وأن تمتلك رؤية واضحة وإرادة سياسية قادرة على إدارة هذه المرحلة الحساسة بعيدا عن الحسابات الانتخابية الضيقة والسعي إلى كسب أصوات الناخبين على حساب الاستقرار الاقتصادي طويل الأجل.