"لحراطين" / موسى أعمر

أربعاء, 13/05/2026 - 11:30

قبل عدة قرون، حكى "محمود ولد امان" قطعة شعرية عذبة، رقيقة.. تولهت بها الآذان، وسارت بها الركبان، فألفيتها حينا في غرب "أرض البيضان" باسم "اعبيد مسومة"، وفي مواطن أخرى باسم محمودٍ ينتسب إليهم، لكن القطعة بقيت هي هي، لم يتغير غرضها ولا "امريمدة" قررت على حين نضجٍ الانزياح عنها تكبرا أو على سبيل التمييز الإيجابي، ولم أعثر على رواية تقول إن ولي نعمته ألقى به في غيابات الجب بعد أن قال ما قال. 

تذكرت ذلك غداة زيارة لضريح زميلي "مالك"، الذي كان يعطيني من فتات خبزه، ويعلمني كيفية التعامل مع صغار العجول على بعد كيلومترات من أماكن سكنانا، لا يفارق مخيلتي مالك، أذكره كذكري ضريح زميلي "الأمين"، هما معا سلكا ذات الطريق للقلب، ومعا إلى الله زلفى رحلا، ولا أذكر أن أيا من الضريحين كتب عليه لون بشرة صاحبه أيضا !لكن ربما تكون الخطوة مطلبا لإحدى الجمعيات الحقوقية لاحقا، أو بندا من البنود الممهدة للحوار "الجامع المانع"، أقول: ربما. 

مرة أخرى أسمع دندنة، يذكر الضيف أن المقاوم الأشم ذا الأم الحرطانية والأب الفلاني بات هنا البارحة، فتستحلفه فتاة ذات خمار أسود أعارها منه زرقة تكاد تخالط دمها غير أن القلب بقي على صفائه، أو هكذا أخال، تناشد الضيف أن يحفض الصوت ويكتم الخبر، خشية على ذي اللون الأسود من مكر "الرجل الأبيض الذي لا يقهر"، ذات الفتاة ادعى على نجلها لاحقا في باريس رجل فهم من تكتمها على خبر جده أن الفتاة كانت تداري لتظفر بعبد آبق هي من شردته وجعلت منه مقاوما، مسيرا لا مخيرا. 

أتساءل وأنبش في التاريخ؛ ترى ما عساه يقول ذلك الفتى، الذي تهجى الحروف بين صبية بيض، كانوا إذا جنّ الظلام أتوا أمه لتمنحهم "بَودّي"، ويشوون معه "شكّط"، ويجمعون "اللاقو"، ويسرقون، حبا، بقايا "باسي" ليلا ويحلبون عليه الغنم والبقر خلسة.. ما عساه يقول في أطروحة ابن المقاوم الذي يرى أن "بودّي" كان حقا أصيلا انتُزع من صحن أمه عُنوة من قبل آباء صبية جبلوا في بُطون أمهاتهم على الغدر وعليه أن يسترده، وحتى ريح الدخان الذي جمعوا معه حطبه عودا عودا ليُصلى ناره قدر "الكسكس" الذي سيحلبون على بقاياه أبقار أهليهم ويشبعون منه سحَرا؛ لم يكن دخانا عاديا كان مسمما وأدى لوفاة أمه، لو كان يعقل.. قال الفتى: أولئك غير من عرفت، أما من أعرف فأكرم وأنعم. 

يا سيدي، نحن إذا أكرمنا وأنعمنا بكل معروف، فمن المجهول الذي لم يسلم منه عرض واستعبد الناس وامتلك الأرض؟ وإذا علِمنا التاريخ ودنَسه فمن نعاقب اليوم لنشفي صدور قوم يحاكمون ميتا ويبرؤون من يعرفون، ويسبون مكونةً ويعفون عن شخوص أفرادها حين تذكر الأسماء؟.. 

إنها معضلة لحراطين، أو قل معضلة أمة أصيبت بداء اسمه "مشكل لحراطين". 

وطن تقف موالاته على لحراطين، ومعارضته توقد بهم نارها، وقادته يبيعونهم وهما لعامة شعبهم، كأنهم كما تورد الكتب الصفراء تماما "خلق من خلق الله، فيهم عاش عباد الله، وبهم تُسعر نار الله"، وليت من عاش فيهم وأوقد بيهم النار وعلى حسابهم؛ أعطانا من فهمه ولو قليلا، ومنحنا من صبره ولو يسيرا وسمى الأمور بمسمياتها، حتى نعلم المفسد من المصلح ونتبين في براثين هذه المتاهة الخيط الأبيض من الخيط الأسود. إن كان يريد، ولا أخاله. 

هذه معارضة تقول إن الحراطين مغلوبون على أمرهم، وعلى ظهورهم إرث تاريخي يمنعهم من الريادة والصدارة، ومع اعترافها أن الإرث التاريخي جاء متراكما؛ لا تقبل أن تكون الحلول تراكمية، كأنها وبعض لحراطين من حولها تريد فانوسا سحريا يمسح التاريخ من العقول، ويغير نتائجه الاقتصادية والاجتماعية بين غمضة عين وانتباهتها. يقول الفتى: مالكم كيف تحكمون؟. 

ويا حبذا لو كان بعض الشر أهون من بعض، ثم تِه آية من آيات الله في التعقد والإبهام، سمِّها السلطة، سمها الدولة، سمها النظام، سمها ما شئت.. لكنك لن تعرف حقيقتها وممّ تتكون وكيف تصاغ سياساتها وكيف تنفذ.. مبهمة كما مشكلة لحراطين وحلها، غريبة كدعوى الابن على ابن منقذة جده، هذه الآية المبهمة جعلت هي الأخرى من لحراطين جزرة في حديقة أرانب، أحيانا تجعلهم طعما وأحيانا عصى وأحيانا سمنا وعسلا مصفى وماء "شنة" بارد في أواخر شهر مايو، هي وما أرادت. 

حتى البارحة لا أنا أفهم، ولا الفتى، من المسؤول عن قتل أمه بدخان الحطب وكيف سمَّم العيدان؟ وهل فعلا "بودي" كانت والدته تمنحه عن طيب خاطر أم تحت تهديد السلاح؟ والأهم من قتل جد "صمبه" المقاوم قبل أن "تظفر به" اغلانة لنعرف هل فعلا كانت ستستعبده أم لا. 

لكننا نتفق على أن "التفتيت بالأقليات" ليس أُحجية، وأن لحراطين ليسو بخير، مثلهم مثل البيضان، وفلان، ولكور؛ كل في حيز معين، وندرك مع ذلك أن "اللعب بالنار خطير"، وأن "اللي سروالو من الزبدة ما يسخن اعل النار". قالتها جدة الفتى يوم حُرق قميصه بسبب "احوار" طائش مصدره "فرنة طالبنا".