
بداية أشكر السيد العمدة على تنظيمه لهذا اللقاء الذي وجه لي مشكورا الدعوة لحضوره يومين قبل انطلاقته وأعربت له عن استعدادي لذلك، لكني في نفس الوقت طلبت منه بعض التوضيحات المتعلقة بالتنظيم فلو حصلت عليها لكنت حضرت، لكن لم أتوصل بتلك التوضيحات لأني كنت وما زلت أعتقد أن اي نشاط أحرى نشاط ثقافي مفتوح للجمهور يجب أن تعطى الأولوية لتنظيمه وترتيبه.
مع ذلك تابعت فعاليات انطلاق الملتقى والندوات التي نظمت في اليوم الأول السبت 03 أكتوبر، ولي عليها الملاحظات التالية:
أولا : من حيث الشكل
كان من الضروري وجود لجنة إشراف تضم شخصيات لها الكفاءة والتجربة في تنظيم مثل هذه التظاهرات ويكون معيار المستوى العلمي هو المعيار المتبع في اختيار أعضائها لتشرف بشكل أكثر صرامة ودقة على فعاليات الندوة /الندوات العلمية.
ثانيا: من حيث المحتوى
- كان من الضروري برمجة محاضرة المقاومة ضد الاحتلال الأجنبي في أول المحاضرات، ولو لم يحضر مقدمها، احتراما لتضحية الشهداء الذين سقطوا دفاعا عن الدين والأرض والعرض، سواء في حرب منتصف القرن التاسع عشر أو إبان الاحتلال الفعلي للبلد مطلع القرن العشرين؛
- بخصوص المداخلة الأولى والتي خصصت للشيخ سيدي محمد بن محمد أحمد (التاگنيتي)، ومع أهمية هذا الشيخ وزاويته، إلا أن الوقت الذي خصص له وشغله متدخل واحد كان الأفضل أن يتم اقتصاره أو يوزع بين شخصين أو ثلاثة يتناول كل منهم حياة الشيخ من زاوايا نظر مختلفة؛
- المتدخل الثاني الذي تناول في كلمته تراث المدينة وضرورة تحويله إلى رافعة اقتصادية وتنموية بجمعه ورقمنته على منصة ألكترونية واستغلاله عمليا في السياحة وفي أنشطة أخرى، كانت مشاركته هامة، لكن كان عليه البسط في تسليط الضوء أكثر على هذا التراث ونقاط قوته، مع إعطاء أمثلة أكثر شمولية وتحديد مواقعها الجغرافية أو الأشخاص الذين أنتجوها، سواء في الماضي أو الحاضر؛
- المداخلة الثالثة التي تناولت دور بتلميت في الانتقال إلى الدولة الوطنية، كانت عموما جيدة، بيد أن المحاضر تحدث فيها عن اتحاديات قبلية لعب فيها مشايخ أدوارا بارزة ساهمت بحسب رأيه في التحضير لسلطة مركزية في بلد لم يعرف مثل هذه السلطة من قبل ، لكنه أغفل دور الإمارات (أولاد رزگ، الترارزة، البراكنة، يحي من عثمان، سلطنة أولاد امبارك، إمارة إدوعيش، إلخ.) ككيانات تجاوزت في بنيتها القبيلة، فأصبحت تضم مجموعات عديدة وكيانات من مختلف المكونات الاجتماعية وتحكمها سلطة تبسطها على مجالها، تقوى وتضعف بحسب الظروف التي مرت بها كل إمارة على حدة. شكل وجود الإمارات تحولا هاما في مجتمع البيظان مهد لقبول مبدأ سلطة مركزية الذي تحقق بعد الحصول على الاستقلال. كان أيضا مؤتمر تندوجه تحت القيادة الروحية للشيخ سيدي الكبير لحظة خلقت ديناميكية سياسية تمثلت في تسوية الخلافات بين جل الإمارات القائمة حينئذ وتنسيق التعاون فيما بينها لمواجهة الأطماع الاستعمارية الفرنسية في تلك الفترة، وهو ما يسمح بالقول بأن هذا المؤتمر دشن بداية التوجه نحو كيان سياسي يعتمد على الإمارات لكنه يتجاوزها في نفس الوقت. في هذه المداخلة ذكر المشارك أنه مع دخول المستعمر تأسست في بتلميت l’école de village أي مدرسة القرية، والحقيقة أن هذا النموذج من المدارس طبقه الفرنسيون في السنغال وعلى ضفتنا من النهر (الضفة اليمنى) بالنسبة للسكان غير الناطقين بالعربية (الحسانية)، أما في بتلميت فلم يجرب الفرنسيون هذا النوع من المدارس بل أسسوا، ولأول مرة المدرسة la médersa المستوحاة من النظام التعليمي في الجزائر آنذاك والتي ستعمم بعد ذلك على مناطق البلد الناطقة بالعربية؛
- بخصوص المحاضرة الرابعة حول دور بتلميت في نشأة الدولة الوطنية، وإن كان موضوعها قد تداخل مع الموضوع الذي سبقها، فقد كانت على العموم في صلب الموضوع وقدمت معلومات مفيدة، مع وجود خطأ طفيف في تاريخ معركة الرگبة الذي هو 06 يونيو 1856 وليس 1858؛
- بخصوص الكلمة التي تناولت تاريخ القضاء في بتلميت، كانت مداخلة تضمنت معلومات مهمة، لكن فات المتدخل أن أول قاض في بتلميت وقبل عودة الشيخ سيدي الكبير من الزاوية الكنتية المختارية بأزواد كان عبد الجليل بن الناه، أما قوله بأن انتشايت ابن امرابط مكة والأصح انتسابه لاباه أبييري؛
- بخصوص محاضرة الصناع التقليديين ودورهم في تنمية بتلميت، فقد قدم المتدخل معلومات هامة وصحيحة، لكن كان يمكن أن تقدم ضمن موضوع أشمل يضم كل الحرف / المهن التقليدية الأخرى، من تنمية حيوانية وزراعة، إلخ.
- بخصوص المداخلة المتعلقة بمعهد بتلميت للعلوم الإسلامية والعربية، وعلى أهميتها، إلا أنها خلت من أرقام توضح أكثر دور هذه المؤسسة الهامة، كذلك اعتبر المحاضر أن الفكرة جاءت من الشيخ عبد الله بن الشيخ سيدي وهذا صحيح إلا أن موافقة الفرنسيين على إنشائه كانوا يتوخون منها، في بعدها الإفريقي على الأقل، خلق مؤسسة تعليمية إسلامية يتوجه إليها الطلاب الأفارقة كبديل عن الأزهر، حيث اندلعت الثورة في مصر سنة 1952 وأصبح الفرنسيون يصنفون النظام الجديد في مصر على أنه معاد لهم وتجلى ذلك أكثر في مشاركة فرنسا في العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956. كذلك فإن ميزانية المعهد، حتى وإن سلمنا أن الشيخ عبد الله تولاها على نفقته الخاصة في البداية، فإنه بعد التأسيس الرسمي للمعهد أصبحت تصرف من نفقة مستعمرة موريتانيا وحتى الاستقلال لتتولى الدولة بعد ذلك تحمل ميزانية هذه المؤسسة وحتى دمجها في النظام التعليمي الوطني منتصف سبعينيات القرن الماضي؛
- بخصوص محاضرة "الذباحة" أو الجزارين، قدمت معلومات تفصيلية عن بدايات هذه الحرفة، لكن كان بالإمكان دمجها ضمن موضوع يتناول دور التجارة بمختلف شعبها في تنمية المدينة؛
-أخيرا جرت العادة، وكتقليد أصبح متبعا، أن تمنح الأسبقية للشخصيات العلمية الأعلى مستوى في تقديم محاضراتها، وهو مبدأ لم يحترم في فعاليات أمس السبت.
كانت تلكم ملاحظات سريعة أبديتها أملا في أن تتم الاستفادة منها لتحسين فعاليات الأنشطة التي قد تنظم اليوم الأحد 04 أكتوبر أو في قابل المناسبات المماثلة.
أحمد المصطف





.gif)
