كتابنا الآليون!

اثنين, 21/09/2026 - 10:47
محمد ولد إمام - كاتب وشاعر ومترجم

بكل صراحة وصدق لا يخلو من بعض التوجس، أجدني مؤخراً أمارس نوعاً من "التفتيش العاطفي" على كل نص أقرؤه سواء كان تغريدة عابرة، أو رسالة بريد إلكتروني، أو حتى مقالاً طويلاً. أصبحت أمتلك حاسة سادسة تلتقط رائحة "الذكاء الاصطناعي" عن بُعد.

 

كيف أعرفه؟ من فرط أناقته.

 

النص المولد آلياً يشبه تماماً "تفاحة الشمع" التي نضعها للزينة على طاولات غرف المعيشة. لونها أحمر قاني، استدارتها هندسية لا تشوبها شائبة، قشرتها تلمع تحت الضوء، ولا توجد فيها خدوش الأغصان أو كدمات السقوط على الأرض. إنها تفاحة مثالية جداً، إلى الحد الذي يجعلك تدرك فوراً، ودون أن تتذوقها، أنها ليست حقيقية.

 

هكذا هي النصوص اليوم. قوالب نحوية لا تقبل الكسر، مفردات منتقاة بعناية لغوية فائقة، ومقدمات تفضي إلى نهايات بخط مستقيم لا يحيد مليمترًا واحدًا. لا توجد جملة تائهة، ولا فكرة تتعثر في منتصف السطر.

 

وهذا تحديداً ما يقتل متعة القراءة.

 

الكمال اللغوي البارد.

 

أقرأ النص فأشعر أنني أمشي في ممر مستشفى فاره كل شيء معقم، لامع، ورائحته نظيفة جداً، لكنك لا تود البقاء فيه لفترة طويلة. أنت لا تبحث عن التعقيم في الكتابة، بل تبحث عن بصمة إصبع، عن قطرة عرق، عن رجفة يد.

 

لنتخيل معاً شاباً يستعد لزفافه، ويمسك بهاتفه ليدعو صديق طفولته الذي تقاسم معه شطائر المدرسة ومصروف الجيب. يطلب الشاب من الآلة أن تكتب له رسالة دعوة "تليق بالمقام".

 

في ثوانٍ، تتدفق الكلمات: "بقلوب تغمرها الفرحة، وأرواح تتوق لمشاركتكم أسعد اللحظات، أتشرف بدعوتكم لحضور حفل زفافي، فحضوركم يكلل مسيرتنا بالبهجة، ويزيد من تألق أمسيتنا..."

 

يقرأ الشاب الرسالة. إنها فخمة، رصينة، وتصلح لأن تُقرأ في نشرة الأخبار. لكنه ينظر إليها بشيء من الغربة. هذه الكلمات لا ترتدي ملابسه، ولا تشبه ضحكته. فيمسحها كلها، ويكتب لصديقه بإصبعه المرتجف: "اسمع يا غبي، زواجي الخميس، لو تأخرت دقيقة واحدة سألغي الحفل".

 

ويرسلها.

الرسالة الأولى كانت لوحة فنية لخطاط محترف، لكن الرسالة الثانية كانت "عناقاً". الآلة تعرف كيف تصف الكلمات، لكنها لا تعرف كيف تعانق.

 

مشكلتي العميقة مع هذه النصوص الجاهزة ليست رداءتها، بل على العكس، مشكلتي هي جودتها الصارمة. إنها تشبه طريقاً سريعاً مسفلتاً بعناية، تقود سيارتك عليه لساعات دون أن تشعر، لكنك في النهاية تشعر بالنعاس والملل.

 

أنا قارئ يفضل الطرق الجبلية الوعرة. أحب الكاتب الذي يضع بين قوسين جملة لا علاقة لها بالموضوع لمجرد أنها قفزت إلى رأسه فجأة. أحب الكاتب الذي يقول في منتصف المقال: "صدقاً، لا أجد الكلمة المناسبة لوصف هذا الشعور". يا الله! كم تطربني هذه الجملة. هذا العجز البشري هو أجمل ما في الكتابة.

 

أحب الفوضى. أحب النقاط الثلاث التي تُترك في آخر السطر لأن الكاتب تنهد ولم يستطع الإكمال. أحب علامات التعجب المبالغ فيها لأن صاحبنا كان يصرخ وهو يكتبها. أحب التكرار العفوي، والانتقال الحاد بين فكرتين، وحتى الأخطاء الإملائية الصغيرة التي تفضح استعجال الكاتب ليلحق بفكرته قبل أن تطير.

 

أنا لا أقرأ لأتعلم النحو، ولا لأرى كيف تُبنى الفقرات النموذجية. أنا أقرأ لألتقي بإنسان. أريد أن أرى خدوشه، وندبات أفكاره، وتخبطه. أريد أن أشعر أن هناك دماً يجري تحت هذه السطور، وليس مجرد خوارزميات باردة ترتب الكلمات كقطع الشطرنج.

 

نحن نعيش في عصرِ ولعٍ مخيفٍ بالتحسين. أردنا تحسين الصور فاستخدمنا الفلاتر حتى محونا مسامات جلودنا. أردنا تحسين أصواتنا فاستخدمنا المؤثرات حتى تشابهت حناجرنا. والآن، نريد تحسين كتاباتنا، فاستعنّا بالآلة حتى فقدنا أصواتنا الخاصة.

 

تخيلوا معي مشهداً أخيراً: رجل يقود سيارته في ليلة ممطرة، يستمع لأغنية قديمة تذكره بشخص فقده، فيبدأ بالغناء مع المذياع. صوته نشاز، يخطئ في الإيقاع، وتخنقه العبرة فيقطع الكلمات.

 

تتدخل الآلة المدمجة في سيارته الذكية بلطف: "صوتك خارج الطبقة الموسيقية، هل أُفعّل ميزة الضبط التلقائي (Autotune) ليصبح غناؤك مثالياً؟" "هل تريد مني إكمال المقطع بدلاً عنك بصوت جهوري؟" "هل أبحث لك عن أغانٍ أكثر إيجابية؟".

 

وهنا سيضرب الرجل مقود السيارة بيده ويصرخ: اخرسي! أريد أن أغني بنشاز. أريد لصوتي أن يرتجف. أريد أن أخطئ في الكلمات. أريد أن أختنق باللحن.

 

لأن هذا النشاز هو أنا. وهذا الضعف هو دليلي الوحيد على أنني ما زلت حياً، وما زلت أشعر. دعوا لنا بعض العيوب أرجوكم.. فالكمال، كل الكمال، للآلات.