
"إن المهاجرين كانوا في وضع إنساني صعب عندما جرى إنقاذهم"، هكذا عبر البيان الصادر عن خفر السواحل الموريتاني فى 21 أغسطس الماضي بشأن إنقاذه أكثر من 300 مهاجر، بينهم 40 طفلًا، قبالة ميناء نواذيبو من قارب خشبي انطلق من جامبيا كان ينجرف قبالة سواحل البلاد على المحيط الأطلسي، ليؤكد بذلك على إنسانية الدولة الموريتانية في تعاملها مع المهاجرين غير الشرعيين الذين يتركون بلدانهم بسبب الفقر أو الجوع أو الحرب ويسلكون الطريق البحري الخطير عبر المحيط الأطلسي للوصول إلى أوروبا مرورًا بجزر الكناري الأسبانية على متن قوارب متهالكة ومكتظة ليلقى المئات من المهاجرين حتفهم بسبب غرق قواربهم، وهى حالة مستمرة تعيشها الشواطئ الموريتانية بشكل مستمر ودائم، إذ يذكر أنه قبل هذا الحادث بأيام انقذ خفر السواحل الموريتاني أيضا 42 مهاجرًا، كان من بينهم نساء وأطفال، من قارب كان ينجرف بعد تعرض محركه لعطل.
وهنا يتكرر الحديث عن قضية المهاجرين غير الشرعيين وكيف يمكن مواجهتها ليس فقط بالبعد الإنساني الذى تقوم به الحكومة الموريتانية لمساعدة هؤلاء المهاجرين وإنقاذ حياتهم، حيث تتعامل معهم فور انقاذهم وفق الإجراءات القانونية والإنسانية المعمول بها، مع توفير الرعاية اللازمة لهم، وذلك بالتعاون مع الجهات الوطنية والدولية المختصة مثل مفوضية اللاجئين لضمان توفير الحماية اللازمة لهم.
والحقيقة أن موريتانيا حرصت على أن يكون لها دورًا فعالًا في مواجهة هذه الجريمة الدولية المنظمة التي يرتكبها البعض استغلالًا لظروف هؤلاء المواطنين، فقد سعت الحكومة الموريتانية إلى تبنى حزمة من الإجراءات بدأتها بإطلاق الاستراتيجية الوطنية الموريتانية لمحاربة الهجرة غير النظامية والتي جاء من بين ثمارها تدشين محكمة جديدة مختصة بقضايا الهجرة في فبراير 2025، لتطبيق القانون المنظم للهجرة ومكافحتها، والتي غلظ العقوبات على كل من استخدم وثائق مزورة أو حصل عليها بهوية زائفة، أو بيانات حالة مدنية مزيّفة، وكذلك لمن زوّر تأشيرات قنصلية، أو ضمانات كاذبة، أو عقود عمل زائفة، أو بطاقات هوية أجنبية مزورة، كما فرض غرامات مالية تصل إلى 5 ملايين أوقية قديمة (نحو 13 ألف دولار أمريكي) لكل من يدخل البلاد خارج المعابر الرسمية، أو يقيم فيها بطرق مخالفة للقوانين. كما لا يمكن أن نتغافل عن الخطوة الأكثر أهمية التي اتخذتها الحكومة الموريتانية بالتصديق على مشروع قانون يتعلق بحماية الضحايا وأسرهم والشهود في قضايا الاتجار بالبشر، والذى من شأنه تمكين الحكومة من وضع آليات للحماية والمساعدة لضحايا الاتجار بالأشخاص، وأسرهم، والشهود، وأعوان القضاء، والمخبرين السريين، والمبلّغين. هذا إلى جانب توقيع موريتانيا اتفاق مع الاتحاد الأوروبي في أوائل عام 2024، هدف على التعاون المشترك من أجل الحد من الهجرة غير النظامية، وقد أتى هذا الاتفاق بعضًا من ثماره المرجوة كما كشفت عن ذلك وزارة الداخلية الإسبانية في بيان لها بأن قوات الأمن الموريتانية اعترضت نحو 13500 زورق في الطريق إلى جزر الكناري منذ بداية عام 2024، وهو ما أسهم في خفض عدد الوافدين إلى هذا الأرخبيل بنسبة 59 في المائة حتى أكتوبر عام 2025 مقارنة بالعام السابق.
والواقع أن كل هذه الجهود قد قللت من حجم المسئولية والأضرار التي تتحملها موريتانيا بسبب هذه الموجات من الهجرة غير الشرعية، إلا أنها لم تقلل من حجم ما تواجه موريتانيا من تدفق متزايد للاجئين، إذ تشير بعض البيانات الموريتانية إلى أن البلاد تستضيف نحو 309 آلاف لاجئ وطالب لجوء حتى 2025، بزيادة تصل إلى 75% مقارنة بالفترات السابقة، ما يعكس مزيد من الضغوط على الخدمات الأساسية مثل المياه والصحة والتعليم، كما يزيد من احتمالات التوتر الاجتماعي بين اللاجئين والمجتمعات المضيفة، الأمر الذى يستوجب على المجتمع الدولي التعاضد مع الدولة الموريتانية في مواجهة هذه الازمة سواء على مستوى التنسيق في انقاذ هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين أو على مستوى توفير الاحتياجات المعيشية الضرورية لهم حال اقامتهم على الأرض الموريتانية، إذ يستوجب على المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تقديم كافة صور الدعم والمساندة للسلطات الموريتانية لإدارة ملف الهجرة، من خلال برامج إنسانية وتقنية متعددة المستويات، تنظيم برامج تدريبية لحرس الحدود وتطوير آليات عملهم.
ملخص القول إن الحكومة الموريتانية تواجه معادلة صعبة، ففي الوقت الذى مطالب منها ضبط حدودها وحماية أمنها وصون سيادتها من جهة، ثمة مسئولية إنسانية متزايدة تجاه مئات الآلاف من المهاجرين واللاجئين سواء العاقلين في البحر أو القاطنين على أراضيها، بما يتطلب البحث عن مقاربات عديدة تُنهى هذه المأساة الإنسانية من جذورها وليس فقط من خلال وضع المسكنات التي تعالج أعراض المشكلة دون مواجهة جذورها الحقيقية.
ياسمين هلالى
الأمين العام للمنتدى المصري الموريتاني للصداقة والتعاون

.jpeg)
.jpeg)


.gif)
