الكلمة مسؤولية… من الصحافة إلى السياسة

خميس, 30/07/2026 - 09:15
يوسف حرمه ببانه

 

لم تكن الصحافة بالنسبة لي يومًا مجرد مهنة، ولم تكن الكتابة مجرد حروف تُرتب على الورق، بل كانت رحلة طويلة في البحث عن الحقيقة، والاقتراب من هموم الناس، وفهم نبض الوطن وتطلعات أبنائه.

نشأت في بيت له صلة بالكلمة والإعلام؛ فقد كان والدي، أطال الله عمره، يدير جريدة الصحيفة، التي كانت مدرسة تعلمنا منها أن الصحافة ليست فقط نقلًا للأحداث، بل هي التزام أخلاقي ومسؤولية تجاه المجتمع. وفي رحاب تلك التجربة، وبوجود قامات صحفية مثل مدير تحريرها الأستاذ يحي ولد الحمد، ترسخت لدي قناعة بأن الكلمة الصادقة يمكن أن تكون بناءً وإصلاحًا.

واصلت المسيرة بتأسيس موقع أنباء أطلس وجريدة المشعل، ثم تجربة إذاعة أنباء أطلس الإلكترونية، مؤمنًا بأن الإعلام الحقيقي هو الذي يفتح الأبواب أمام الأفكار والأصوات الجديدة، ويمنح الشباب فرصة المشاركة في صناعة الوعي الوطني.

وما يزال موقع أنباء أطلس حاضرًا في المشهد الإعلامي، محافظًا على مبدأ أساسي رافق مسيرته منذ التأسيس: تحري الدقة، واحترام عقل القارئ، والتمييز بين الخبر والرأي. فالمصداقية لا تُبنى بكثرة العناوين، بل بالثقة التي يضعها المتلقي في المنبر الإعلامي عندما يبحث عن المعلومة الصادقة والطرح المسؤول.

لقد حاول أنباء أطلس أن يكون أكثر من مجرد ناقل للأخبار؛ أن يكون فضاءً للحوار، ومنبرًا للأفكار، وجسرًا بين مختلف الآراء، مع الحفاظ على المهنية والاستقلالية واحترام القارئ.

وخلال هذه الرحلة، تشرفت بالعمل إلى جانب نخبة من الكتاب والصحفيين، من بينهم الكاتب الكبير سيدي عالي ولد بلعمش، والكاتب المحترم الأستاذ محفوظ ولد الحنفي، وغيرهم من أصحاب الأقلام التي تركت أثرًا في المشهد الوطني. كما أتاحت لي الصحافة مرافقة رؤساء في مهام وتغطيات خارجية، والاطلاع عن قرب على تجارب وشعوب وقضايا تجاوزت حدود الوطن.

وعندما انتقلت إلى العمل السياسي، لم أعتبر ذلك انتقالًا من رسالة إلى أخرى، بل امتدادًا طبيعيًا لها. فالصحفي يتابع قضايا الوطن، والكاتب يحلل تحدياته، والسياسي يتحمل مسؤولية العمل من أجل تغييره نحو الأفضل.

أدرك جيدًا أن الكلمة في موقع المسؤولية ليست امتيازًا، بل أمانة، وأن خدمة الوطن ليست شعارًا يرفع، بل التزام يحتاج إلى صدق وتجرد وصبر. فالمسؤول الحقيقي هو من يعرف أن الوطن أكبر من الأشخاص، وأن المصلحة العامة يجب أن تبقى فوق كل اعتبار.

اليوم، أواصل هذه المسيرة من موقع سياسي، لكن بروح الصحفي الذي يبحث عن الحقيقة، وقلم الكاتب الذي يؤمن بدور الفكر، وضمير المواطن الذي يحمل هموم بلده.

فالوطن لا يخدم فقط بالمناصب، بل بالأفكار والمواقف والعمل الصادق… وهذه هي الرسالة التي اخترت أن أحملها