
لا خفاء عند أهل التخصص أن النظام البنكي تشكل في وسط لا ضابط له من جهة التقيد بضوابط الشرع، بسبب نشأته وتطوره في سياق تاريخي يهتم بتجميع الأموال بغرض تسهيل تداولها، مع الرغبة الجامحة في السيطرة على الثروة من المعدن النفيس، دون اعتبار لقواعد التعامل، إلا أنه لا يمكن إهمال إسهام علماء الإسلام في وضع تصور للتعامل بالنقود، وما تعلق بتطبيقات ذلك مثل " السفتجة"، حيث يتم انتقال الأموال من يد أخرى وفق الضوابط الشرعية.
أما في العصر الحاضر وبسبب ظهور المؤسسات المالية الإسلامية، فقد تحدث العلاقات بينها والبنوك المركزية الكثير من الإشكالات؛ بسبب حداثة تجربة المصارف الإسلامية من جهة، وقيام البنوك المركزية في البلدان الإسلامية على النموذج التقليدي من جهة أخرى، بحيث تستخدم في سياستها النقدية أدوات كمية وكيفية ورقابية لا تتوافق مع مقتضيات الشرع الإسلامي الحنيف، وللوصول إلى بعض الوضوح في المسألة، سنتعرض لأهمية توفر جهاز رقابي فعّال يضمن تقديم خدمات مالية ومصرفية ذات سلامة شرعية.
توطئة
يقوم البنك المركزي في إطار آليات تنفيذ السياسة النقدية والمالية للدولة، بسلطة إصدار النقود ومراقبة تداولها، وضبط الائتمان المصرفي، والعمل على استقرار التوازن بين الدخول والأسعار، وتوجيه الاستثمارات حسب حاجيات الدولة، وكذلك الحفاظ على قيمة العملة داخليا وخارجيا، وقد تلجأ إليه البنوك عند حاجتها للسيولة التي يتدخل في تنظيمها أيضا، فضلا عن الاستشارات التي يقدمها، وتتبعه لتطور سوق الصرف، وسهره على حسن سير نظام الأداءات.
يستعمل البنك المركزي للوصول إلى كل ذلك، الأدوات التي تخولها له القوانين، مثل حقه في إلزام البنوك بالاحتفاظ بنسب سيولة معينة، حتى يتحقق لها التوازن بين الموارد والاستخدامات، أو تمويل استثمارات على المدى القصير وقابلة للتحول إلى سيولة بشكل سريع، وتحديد الآجال القصوى التي يمكن للبنوك أن تقدم فيها الائتمان لكل قطاع على حدة، لمنع ارتفاع ثمن إنتاجه، لاسيما بالنسبة للمنتجات الأساسية، أو لمنع احتكاره إما للمضاربة على أسعاره أو لتخزينه.
من هذه الأدوات أيضا، تحديد أسعار الفوائد والسقوف الائتمانية للتمويلات؛ التي يستخدم فيها البنك المركزي قدرته على تغيير هذه الأسعار للحد منها، ولمواجهة التضخم، ومراقبة أسعار الصرف، ووضع نسب الاحتياطيات القانونية، وتهدف هذه النسب إلى الحد من المخاطر سواء بالنسبة للمتعامل أو البنك.
وكذا التحكم في عمليات الإقراض، وذلك بواسطة رفع أو خفض سعر الفائدة، وهذا يخالف معلومًا من الدين ضرورة، إذ يحرم الشرع الحنيف الزيادة على أصل القرض، فهي من الربا المحرم بنص الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة، وبناء على النظر في الأدلة الشرعية المانعة للزيادة على أصل الدين؛ منها قول الله عزّ وجلّ:﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: 275)، وقوله جلّ جلاله:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيم﴾ (النساء:29)، قول ابن كثير في تفسير الآية:« ينهى الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضا بالباطل أي بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية ؛ وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا» وقول النبي صلى الله عليه وسلم: {اجتنبوا الموبقات السبع}، قالوا يا رسول الله: وما هي؟ قال: {الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات}
نستنتج مما سبق، أنه من حيث المبدأ، لا يمكن للبنك المركزي أن يستخدم في تعامله مع البنوك الإسلامية، إلا ما لا يتعارض من أدواته مع مبادئ الشريعة الإسلامية، كنسب الاحتياطيات القانونية والسقوف الائتمانية، والتوظيف لديها بوسائلها كالمضاربة والمشاركة والمرابحة.
ذلك أنه لا يمكن للبنك المركزي أن يتعامل مع البنوك الإسلامية من خلال نظام الفائدة سواء أكانت عن طريق الفوائد الجزائية أو عن طريق القروض بفائدة، لأن ذلك يتعارض مع الأساس الذي قام عليه البنك الإسلامي عموما، كما نعتقد أنه من حيث المبدأ، فإن طبيعة البنوك الإسلامية وعدم استعمالها للفوائد، يتطلب تحديد علاقتها مع البنوك المركزية، بشكل لا يعوق أعمالها، ولا يضر بوضعيتها المالية، أو بأصحاب الأسهم أو الودائع أو الزبناء الآخرين.
الربا
الربا عقد محرم في شريعة الإسلام؛ لأنه ربح القعود والكسل، فالزيادة في أصل القرض لا يقابلها عوض، والمرابي يستغل حاجة غيره للمال، وهذا ممنوع شرعا؛ لأن عقد القرض من عقود التطوع لا يراد به إلا وجه الله ونفع المقترض، وأخذ الزيادة على أصل القرض، ليست نفعا للمقترض بل إضرار به واستغلال لحاجته، والفكر المالي التشاركي، يرى الابتعاد عن اقتصاد الديون قدر المستطاع، والتعامل في الاقتصاد الحقيقي، وتشجيع العمل عبر تطوير الموارد البشرية، وتبادل المنافع من خلال صيغ المعاوضات والمشاركات.
مفهوم الربا
الربا في اللغة: «الفضل والزيادة، وربا الشيء يربو: إذا زاد. وأربى الرجل، بالألف: دخل في الربا. وأربى على الخمسة: زاد عليها». وأصل الربا: «الزيادة والإنافة يقال: ربا الشيء يربو إذا زاد وعظم، وأربى فلان على فلان إذا زاد عليه يربي إرباء، وكان ربا الجاهلية في الديون أن يكون للرجل على الرجل الدين فإذا حل قال له: أتقضي أم تربي، فإن قضاه أخذه وإلا زاده في الحق وزاده في الأجل».
وأما الربا في الاصطلاح الشرعي: «فضل مخصوص مستحق لأحد المتعاقدين خال عما يقابله من العوض، أو الزيادة في أشياء مخصوصة».
أما الربا في الجاهلية فقد بينه الإمام مالك في الموطأ: {مالك، عن زيد بن أسلم، أنه قال: كان الربا في الجاهلية، أن يكون للرجل على الرجل الحق إلى أجل، فإذا حل الحق قال: أتقضي أم تربي؟ فإن قضى أخذ، وإلا زاده في حقه، وأخر عنه في الأجل}. والربا الذي عليه عرف الشرع شيئان: «تحريم النساء، والتفاضل في العقود وفي المطعومات».
أدلة تحريم الربا
الربا محرم بالكتاب العزيز والسنة النبوية الشريفة.
القرآن الكريم
الآيات الدالة على تحريم الربا صريحة المعنى.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. يقول ابن القيم: «فصدر الآية بالأمر بتقواه المضادة للربا، وأمر بترك ما بقي من الربا بعد نزول الآية، وعلق هذا الامتثال على وجود الإيمان منهم. والمعلق شرط منتف عند انتفائه، ثم أكد عليهم التحريم بأغلظ شيء وأشده. وهي محاربة المرابي لله ورسوله، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. قد آذنه الله بحربه، ولم يجئ هذا الوعيد في كبيرة سوى الربا».
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ أي: «حلالا فاستحلوا ما حرم الله، فإذا بعث الله يوم الناس يوم القيامة خرجوا مسرعين. إلا أكلة الربا فإنهم يقومون ويسقطون كما يقوم المصروع، كلما قام صرع لأنهم لما أكلوا الربا الحرام في الدنيا أرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم يوم القيامة، فهم كلما أرادوا النهوض سقطوا، ويريدون الإسراع مع الناس فلا يقدرون» ، ويقول القرطبي: «يأكلون يأخذون فعبر عن الأخذ بالأكل». قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ الألف واللام هنا للعهد، وهو ما كانت العرب تفعله- من الزيادة مقابل الإنظار- ثم تتناول ما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى عنه من البيع الذي يدخله الربا وما في معناه من البيوع المنهي عنها». وورد في مختصر تفسير الطبري؛ تفسيرا لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ، «الربا معلوم. وأصله: الزيادة».
يقول ابن عبد البر: «أجمع العلماء من السلف والخلف أن الربا الذي نزل القرآن بتحريمه هو أن يأخذ صاحب الدين لتأخير دينه بعد حلوله عوضا عينا أو عرضا وهو معنى قول العرب إما أن تقضي وإما أن تربي». وعده أئمة الإسلام من الكبائر والموبقات، وقد ذكر الإمام الذهبي في كتابه الكبائر: «أن الناس إذا بعثوا يوم القيامة خرجوا مسرعين. إلا أكلة الربا فإنهم يقومون ويسقطون كما يقوم المصروع، كلما قام صرع لأنهم لما أكلوا الربا الحرام في الدنيا أرباه الله في بطونهم حت أثقلهم يوم القيامة».
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، يقول ابن القيم: «فصدر الآية بالأمر بتقواه المضادة للربا، وأمر بترك ما بقي من الربا بعد نزول الآية، وعفا لهم عما قبضوه به قبل التحريم، ولولا ذلك لردوا ما قبضوه به قبل التحريم، وعلق الامتثال على وجود الإيمان منهم. والمعلق على شرط منتف عند انتفائه، ثم أكد عليهم التحريم بأغلظ شيء وأشده. وهي محاربة المرابي لله ورسوله، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ فقد آذنه الله بحربه».
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.
السنة النبوية الشريفة
وردت أحاديث كثيرة متواترة للنهي عن الربا وتحريمه بأنواعه، ويمكن الاستدلال بأحاديث منها على سبيل المثال:
حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الذهب بالذهب رب، إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا، إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير رب، إلا هاء وهاء} ، الحديث: «يدل على وجوب الحلول، وتحريم النساء في بيع الذهب بالورق، والبر بالبر، والشعير بالشعير، إلا هاء وهاء. واللفظة موضوعة للتقابض» ، والحديث نص في تحريم ربا البيوع بالسنة.
وفي الموطأ: {مالك، أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود، كان يقول: من أسلف سلفا، فلا يشترط أفضل منه، وإن كانت قبضة من علف فهو ربا}.
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {اجتنبوا الموبقات السبع}، قالوا يا رسول الله: وما هي؟ قال: {الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات}
حكم الربا
الربا محرم مهما كان قدره، كثيره وقليله، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾. يقول بعض أهل التفسير: إن قوله تعالى: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ليس قيدا ولا شرطا، وإنما هو لبيان الواقع الذي كان عليه الحال في الجاهلية...إن المسلمين قد أجمعوا على تحريم الربا قليله و كثيره، فإن قليل الربا يدعوا إلى كثيره، فالإسلام حين يحرم الشيء يحرمه (كليا)... ».
وبهذه الآية؛ استدل بعض فقهاء المالية الإسلامية المعاصرين على حرمة الفائدة الربوية البنكية مهما كان معدلها؛ فهي حرام سواء أكانت بسيطة أم مركبة، فالفائدة البسيطة هي فائدة رأس المال، والفائدة المركبة هي فائدة على الفائدة. ويضاف إلى حرمة عقود مبادلات الفائدة في السوق المالي.
الرقابة الخارجية من قبل البنك المركزي
يقصد بالرقابة الخارجية على أداء المصارف من قبل الجهات الأخرى ذات الصلة والتي تقع خارج الهيكل الإداري المصرفي، ويأتي في مقدمة هذه الجهات المصرف المركزي والمراجع الخارجي وأصحاب الودائع ، والذي يعنينا هنا هو رقابة البنك المركزي؛ فالمصرف المركزي هو تلك المؤسسة التي تقف على قمة النظام المصرفي في الدولة وتنظيم الائتمان لخدمة المصلحة العامة .
الرقابة الشرعية العليا بالمصرف المركزي
إن ضرورة تطوير دور البنك المركزي في مجال الرقابة على البنوك الإسلامية تتمثل في إنشاء إدارة خاصة بالبنك المركزي يكون من أهم اختصاصاتها الرئيسية متابعة أنشطة وأعمال البنوك الإسلامية والرقابة عليها، على أن تضم هذه الإدارة كفاءات وخبرات لها دراية كبيرة في عمل البنوك الاسلامية .
كما أنه تماشيا مع الممارسة العامة للمراجعين الخارجيين للحسابات الذين يصدرون الشهادات، فقد يفضل أن تقوم هيئة شرعية خارجية مستقلة بإصدار الشهادات بأن أعمال البنوك الإسلامية تتفق وأحكام الشريعة الإسلامية، وليس هناك أفضل من البنك المركزي للدولة في أن يضم مثل هذه الهيئة، ونظرا لأن المدققين في البنك المركزي قد لا يستطيعون القيام بهذه المهمة على الوجه الفعال دون توحيد معقول للمنتجات وتدريب مناسب للموظفين، فإن وجود هيئة شرعية في البنوك المركزية قد يضطرها للقيام بدور مهم في عملية التوحيد والتدريب .
ويرى بعض الباحثين أن هيئة الرقابة الشرعية المركزية التي يضمها البنك المركزي الإسلامي ضمن هياكله يترك تحديد أعضائها للسلطات الرسمية أو القوانين الداخلية للبلد، كما يتم تعيينهم وعزلهم من الحاكم .كما يجب أن يكون أعضاء الهيئة على مستوى عال من التكوين والتخصص في علوم الشريعة الإسلامية، وممن يشهد لهم بكفاءتهم بالإفتاء، مع قدر ملائم من الإلمام بالعلوم المالية والمصرفية .
والذي أراه والعلم عند الله تعالى؛ أن أعضاء هيئة الرقابة الشرعية ينبغي أن يكونوا من المبرزين في علوم الشريعة والمصرفية الإسلامية وأصحاب النزاهة والورع والخبرة ، ومن العلماء القلائل الذين جمعوا بين الضلوع في العلوم الشرعية والعلوم العصرية، إذ تصور المعاملات المستحدثة لا يمكن لغير العارفين بها ، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره ، كما يمكن أن يكون هناك مراقبون شرعيون يمثلون حلقة الوصل بين هيئة الرقابة في البنك المركزي وباقي الإدارات الموجودة داخل البنك ، ويجب أن يكون هؤلاء المراقبين من ذوي الخبرة بعمل المصارف الإسلامية وأصحاب الورع لكي لا يخضعوا للمغريات ولا يميلوا عن أداء ما يسند إليهم من أعمال ، وينبغي أن تكون هيئة الرقابة الشرعية المركزية مستقلة القرارات وذات صلة مباشرة مع هيئات الرقابة الشرعية في البنوك الإسلامية، إضافة إلى وجود مدققين شرعيين داخليين يعتمد عليهم البنك المركزي في مهمة التدقيق الشرعي وإعداد التقارير للمراقبين الشرعيين وأعضاء الهيئة الشرعية العليا.
مكونات إدارة الرقابة الشرعية المقترحة في البنك المركزي
1. هيئة الفتوى: وتضم مجموعة من علماء الشريعة المتخصصين في التعاملات المالية، ممن لديهم الأهلية للفتوى في هذا المجال، والمقترح أن يكونوا ثلاثة فأكثر، حتى يتحقق الاجتهاد الجماعي.
2. جهاز الرقابة الداخلي: ويضم مجموعة من المراقبين الشرعيين ممن لهم إلمام بالضوابط الشرعية، وينبغي أن يتم تدريبهم من طرف خبراء في هذا المجال، إضافة إلى متخصصين في التدقيق الشرعي لهم خبرة عملية تمكنهم من الفحص واكتشاف الخلل وتصحيح الأخطاء وإعداد التقارير.
3. الجهاز الفني والتقني: ويضم مجموعة من المحاسبين والقانونيين وخبراء في مجال التدقيق المالي والمعلوماتية ليتم ضبط المعلومات من الناحية الفنية والتقنية والمحاسبية.
الرقابة الداخلية في المصارف الإسلامية
تكمن أهمية الرقابة الداخلية في المصارف الإسلامية في كونها حلقة الوصل مع هيئة الرقابة الشرعية في البنك المركزي، وتهدف الرقابة الداخلية في المصارف الإسلامية إلى متابعة وفحص وتحليل كافة الأعمال والتصرفات والسلوكيات التي يقوم بها الأفراد والجماعات والمؤسسات والوحدات وغيرها، وذلك بغرض التأكد من أنها تتم وفقا لأحكام وقواعد الشرع .
يقصد بالرقابة الداخلية الجهود المنظمة التي تتم عبر المستويات التنظيمية والإدارية المختلفة بغرض صياغة أنظمة المعلومات والتوجيه والتخطيط والضبط ومتابعة التنفيذ والتفتيش عليها، واتخاذ قرارات بتطويرها .
وبما أن المصرف الإسلامي مصرف ملتزم بالأوامر والنواهي الشرعية فإنه محتاج إلى مفت أو أكثر لتحقيق أغراضه ، ومن هنا فإن معظم المصارف الإسلامية فيها مراقبة شرعية يقوم بها فرد أو هيئة
تنهض الرقابة الشرعية بالتحقيق الشرعي في قانون المصرف ونظامه الأساسي وسائر نظمه وتعليماته وعقوده، وتجيب عن الاستفسارات التي توجه إليها من إدارة المصرف، ويفترض أن تكون آراؤها ملزمة للمصرف .
تعتمد الرقابة الداخلية في المصارف الإسلامية على انتقاء أفضل القادة المؤمنين بالأعمال المصرفية الإسلامية ليكونوا قدوة حسنة وراشدة يحتذى بهم من قبل العاملين والمرؤوسين على اختلاف مواقعهم الإدارية في المصرف الإسلامي .
الرقابة الداخلية في المصارف الإسلامية لها مكونان أساسان:
1. المكون الأول: لجنة المطابقة مع مقتضيات الشريعة الإسلامية والتي يناط بها مهمة الاطمئنان إلى التزام المصرف بالتطبيق العملي لأحكام الشريعة الإسلامية، والتدخل لتصحيح أي انحرافات إذا ما حدثت فعلا في الممارسات اليومية لأعمال المصرف .
2. المكون الثاني: النظام الإداري والمحاسبي في المصرف، وطبيعة علاقة القائمين على تنفيذه بالأقسام الإدارية المختلفة، والارتباط بالإدارة العليا المتمثلة في مجلس إدارة المصرف أو الهيئة العامة للمساهمين وقد تم إنتاج بعض البرامج الخاصة بتطبيق المصرفية الإسلامية عن طريق بعض المؤسسات المالية الإسلامية مثل: الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، وكذلك الضوابط المحاسبية لهيئة المراجعة والمحاسبة للمؤسسات المالية الإسلامية.
ملاحظة
لكي تتمكن لجنة المطابقة مع مقتضيات الشريعة الإسلامية في المصارف الإسلامية من القيام بدورها المميز من الناحيتين الاستشارية والتنفيذية ينبغي أن تكون قراراتها ملزمة ، وأن تكون على اطلاع بجميع المعاملات والكشوفات والحسابات وعمليات الجرد والبيانات التفصيلية للقوائم المالية الدورية واليومية ، كما يجب أن تكون ذات استقلالية في قراراتها بعيدا عن مجلس الإدارة والمدير العام ، وكذا بقية الموظفين ذوي السلطة داخل البنك وكذا المساهمين ، كما ينبغي أن تشارك في اختيار الأفراد العاملين في المصرف ، وأن تحرص على حسن اختيار الكوادر الإدارية والفنية ، فالرقابة الذاتية للموظف على نفسه أبلغ من مراقبة أية هيئات أخرى.
خلاصة
مما سبق تتبين لنا أهمية وظيفة الرقابة بالنسبة للبنك المركزي، وفي معظم دول العالم توجد تشريعات خاصة تنظم عملية الرقابة على المصارف للتأكد من سلامة معاملاتها، ومدى تنفيذها لأهداف السياسة النقدية للدولة بشكل خاص، والسياسة التنموية بشكل عام ، وليست المؤسسات المصرفية الإسلامية نشازا، ولكن لها أدوات خاصة للرقابة على أعمالها، ومعايير ضبط ينبغي توفرها لتحديد مدى التزامها بمعالم الترخيص الممنوح لها، في سياق دور البنك المركزي في الحفاظ على أموال أصحاب الودائع الاستثمارية.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

.jpeg)
.jpeg)


.gif)
