
يمثل المؤتمر الصحفي المرتقب لفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد.الشيخ الغزواني
فرصة لمخاطبة ضمير الأمة، ولتوضيح الاتجاه الذي ستسلكه البلاد في ما تبقى من المأمورية الثانية.
وبالنسبة لي، فإنني لا أنطلق في الإصغاء إلى هذا المؤتمر من موقع المعارض، ولا من موقع المساند المطلق، وإنما من موقع المواطن الذي ساند السيد الرئيس حين رأى في خطابه التأسيسي مشروعًا يستحق الدعم، وما زال يحتفظ بحقه في تقييم الحصيلة ومساءلة الأداء.
لقد ساندت السيد الرئيس في مأموريتيه الأولى والثانية إيمانًا مني بأن عشر سنوات هي السقف الدستوري الذي يحقق التوازن بين الاستقرار والتغيير. وكان أكثر ما استوقفني في خطابه التأسيسي تقديم الدولة على السلطة، والمؤسسات على الأشخاص. وما أرجوه اليوم هو أن يظل هذا النهج حاضرًا، حتى تترسخ الثقة في المؤسسات، ويُطوى نهائيًا ما وصفته في مناسبات سابقة بـ"أزمة الرؤساء السابقين".
وأرجو، في المقابل، أن أسمع خطابًا يضع الأمن والاستقرار في مكانهما الصحيح. فموريتانيا تعيش في محيط إقليمي ودولي شديد الاضطراب، ومن الإنصاف الاعتراف بأن المحافظة على نعمة الأمن والعافية ليست أمرًا هيّنًا. كما أن الدبلوماسية الموريتانية، بما عُرفت به من اعتدال وتوازن وابتعاد عن سياسة المحاور، شكلت أحد عوامل هذا الاستقرار، وهي من الثوابت التي ينبغي صونها وتعزيزها.
غير أن الاستقرار، مهما كانت قيمته، لا يمكن أن يكون بديلًا عن الإصلاح، بل هو شرطه الأول.
ولهذا فإنني أرجو أن أسمع حديثًا أكثر وضوحًا عن الحكامة الرشيدة، وحسن التسيير، والانتقال من ثقافة الإعلان عن البرامج إلى ثقافة تقييمها ومحاسبة القائمين عليها. فالمواطن لم يعد ينتظر كثرة الوعود، وإنما يريد أن يعرف: ماذا تحقق؟ ولماذا تعثر ما لم يتحقق؟ ومن يتحمل المسؤولية عن ذلك؟
وقد كتبت أكثر من مرة أن معركة مكافحة الفساد لا تُكسب بالخطب، وإنما ببناء إدارة تحترم القانون، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجعل الكفاءة معيارًا وحيدًا لتولي المسؤوليات.
ومن هنا، فإنني أتطلع أيضًا إلى خطاب يعيد الاعتبار للكفاءات الوطنية. فمن المؤسف أن يشعر كثير من أصحاب الخبرة بأنهم خارج دائرة الاستفادة، بينما تتسع أحيانًا مساحة ما أسميته سابقًا بـ"التسول السياسوي"، حيث يصبح القرب من السلطة، لا جودة الأداء، طريقًا إلى المسؤولية أو الامتياز. والدولة التي تريد أن تتقدم لا تستطيع أن تجعل الولاء للأشخاص بديلًا عن الكفاءة، ولا أن تسمح بإهدار طاقات أبنائها.
كما أرجو أن أسمع تأكيدًا على أن الحوار سيظل خيارًا استراتيجيًا، ولكن في إطار واضح. فقد دافعت مرارًا عن التشاور المستديم، لأن الجمهورية لا تستقيم إلا بثقافة الحوار. غير أن الحوار، في تقديري، لا ينبغي أن يكون وسيلة لمنح شرعية لم يمنحها الشعب، وإنما إطارًا يجتمع فيه أصحاب الشرعية السياسية من أجل التوافق على قواعد المنافسة الديمقراطية، وتعزيز حياد الدولة، وصيانة المصالح العليا للوطن.
وأتمنى كذلك أن يتناول الخطاب قضية الوحدة الوطنية بروح عملية. فقد كتبت كثيرًا عن مخاطر صراع الهويات الضيقة و عن خطورة تخدير الحاضر بجروح الماضي مع ضرورة السعي الى توزيع عادل للثروات الوطنية و الى حد فعلي من مظاهر الفوارق الاجتماعية و كذلك عن ضرورة معالجة ملف الإرث الإنساني في إطار العدالة وسيادة القانون، لأن بناء اللحمة الوطنية لا يتحقق بالشعارات، وإنما بترسيخ المواطنة المتساوية، وإشعار كل موريتاني بأن الدولة تقف على المسافة نفسها من جميع أبنائها.
أما التنمية المحلية، فما زلت أعتبرها الاختبار الحقيقي للدولة. فلا يكفي أن تزدهر العاصمة إذا بقيت مدن الداخل تشعر بأنها تنتظر دورها. وأرجو أن تتحول التنمية المحلية إلى قضية وطنية يشارك فيها الجميع: الدولة، والمنتخبون، ورجال الأعمال، والأطر، والمجتمع المدني، حتى يصبح التنافس بين الولايات والمدن تنافسًا في الإنجاز لا في المطالبة.
وقبل سنوات، وأنا أقدم قرائتي لكتاب «الطريقة الشاذلية الغظفية: الإرشاد والإمداد والجهاد»، استوقفتني القيم التي قامت عليها مدرسة تربويةأشار إليها السيد الرئيس في خطابه التأسيسي في فاتح مارس 2019. ولم يكن اهتمامي بها من زاوية صوفية خالصة، وإنما من زاوية أثر التربية في بناء الشخصية العامة. واليوم لا أنتظر من السيد. رئيس الجمهورية أن يستحضر تلك المرجعية في خطابه، وإنما أن أرى أثرها في ممارسة الحكم؛ فالتواضع أمام القانون، والإنصاف بين المواطنين، والوفاء بالالتزامات، ومجاهدة النفس في مقاومة الفساد، كلها قيم تلتقي مع متطلبات دولة القانون والمؤسسات، ولا تتعارض معها.
في النهاية، لا أريد أن أسمع خطابًا يَعِدُ بموريتانيا جديدة، بل خطابًا يؤكد أن بناء الدولة مشروع تراكمي، يقوم على الأمن، والحكامة الرشيدة، والكفاءة، والحوار المنتج، والعدالة، والتنمية المنصفة، واحترام الدستور.
فإذا نجحت المأمورية الثانية في ترسيخ اجماع وطني حول هذه الأسس، فإنها ستكون خطوة إضافية في بناء الجمهورية التي نحلم بها جميعًا، جمهوريةٍ تكون فيها قوة المؤسسات أكبر من نفوذ الأشخاص، والكفاءة أسبق من الولاء، وسيادة القانون فوق كل اعتبار.
عبد القادر ولد محمد

.jpeg)
.jpeg)


.gif)
