موريتانيا… رحلة إلى صحراء الصمت حيث يلتقي الرمل بالمحيط

أربعاء, 28/01/2026 - 11:45

بقلم Carolina Saporiti – مجلة Vanity Fair الإيطالية

 

ليست موريتانيا من البلدان التي تتصدّر الكتيبات السياحية أو برامج الرحلات السريعة، لكنها، وفق تقرير مطوّل للكاتبة Carolina Saporiti نشرته مجلة Vanity Fair الإيطالية، واحدة من أكثر الأماكن قدرة على إحداث أثر عميق في النفس الإنسانية، حيث تتحول الصحراء من جغرافيا قاسية إلى تجربة وجودية كاملة.

التقرير يبدأ بسؤال بسيط يتكرر كثيرًا في أوروبا: أين تقع موريتانيا؟ سؤال يعكس حجم الغموض الذي يحيط بهذا البلد الواقع في غرب إفريقيا، قليل السكان، شاسع المساحة، والذي تغطي الصحراء معظم أراضيه، فيما يطل غربه على المحيط الأطلسي.

 

الصحراء… وجهة للبحث عن الذات

 

تؤكد Carolina Saporiti أن موريتانيا ليست مقصدًا لمن يبحث عن الترف أو المتعة السريعة، بل لمن يرغب في الانفصال عن ضجيج العالم والاقتراب من ذاته. ففي قلب الصحراء، حيث الصمت سيد المكان، تتوارد الأفكار وتصبح الطبيعة مرآة داخلية للإنسان.

وتصف الكاتبة الصحراء الموريتانية بأنها فضاء للتأمل، حيث الرياح تحرّك الكثبان بلا توقف، وحيث يصبح الفراغ نفسه تجربة، لا نقصًا، في رحلة تعيد ترتيب العلاقة مع الزمن والحياة.

من نواكشوط إلى عمق البلاد

تنطلق الرحلة من العاصمة نواكشوط، قبل التوغّل نحو الداخل عبر سيارات الدفع الرباعي. وما إن يغادر المسافر المدينة حتى تتلاشى ملامح العمران، لتحل محلها الخيام والقرى الصغيرة والامتدادات الرملية الشاسعة.

وتشير الكاتبة إلى أن الإقامة في خيام بسيطة وسط الصحراء منحتها شعورًا بالراحة والحرية، يفوق ما اختبرته في أفخم الفنادق، في مفارقة تعكس بساطة الحياة الصحراوية وعمقها.

 

حوض آرغين… حين تعانق الصحراء المحيط

 

من أبرز محطات الرحلة الحظيرة الوطنية لحوض آرغين، المصنفة ضمن التراث العالمي، حيث تلتقي الكثبان الرملية بالمحيط الأطلسي في مشهد طبيعي نادر. كما تتوقف الكاتبة عند سكان المنطقة من صيادي الإيمراغن، الذين ما زالوا يحافظون على تقاليد صيد قديمة في انسجام لافت مع البيئة.

 

شنقيط… مدينة تقاوم النسيان

 

وتصل الرحلة إلى مدينة شنقيط التاريخية، إحدى أبرز حواضر العلم القديمة في الصحراء الكبرى. وتصفها Carolina Saporiti بأنها مدينة تقاوم الزمن رغم زحف الرمال، بما تحتضنه من مكتبات ومخطوطات نادرة في علوم الدين والفلك والرياضيات.

وترى الكاتبة أن شنقيط تمثل شاهدًا حيًا على عمق الحضارة الصحراوية، وعلى هشاشة الوجود الإنساني في مواجهة الطبيعة، دون أن تفقد المدينة روحها أو رمزيتها.

 

عين الصحراء… لغز الطبيعة المفتوح

 

ومن المحطات اللافتة أيضًا، زيارة عين الصحراء، أو ما يُعرف بـ“عين إفريقيا”، وهو تشكيل جيولوجي دائري ضخم وسط الصحراء، لا يُرى بوضوح إلا من الجو، ويثير اهتمام العلماء والرحّالة على حد سواء.

الصمت كتجربة تطهير

 

في ختام التقرير، تؤكد Carolina Saporiti أن العبور عبر الكثبان والواحات المتناثرة في قلب الصحراء، تحوّل إلى تجربة تطهير روحي، حيث يصبح الصمت قيمة، والبساطة أسلوب حياة، والزمن مفهومًا مختلفًا.

وتخلص الكاتبة إلى أن موريتانيا ليست بلدًا يُزار لمرة واحدة بدافع الفضول، بل مكان يعود منه الزائر محمّلًا بأسئلة جديدة عن نفسه والعالم، بعدما تعلّم كيف يصغي إلى الصمت.