من المسؤول عن العنف المدرسي، المعلم ام اختلاط الأدوار التربوية؟ / مريم اصوينع

ثلاثاء, 27/01/2026 - 12:08

اردت دائما الخوض في مسألة تعرض الأطفال لأشكال من العنف في المدارس، سواء كانت عامة او خاصة، وشاهدت فيديوهات توثق هذا العنف. كثير من الأهالي يحملون المعلم وإدارة المدرسة المسؤولية، وغالبا دون وعي كامل بما يحدث. هنا، لا اتحدث عن المدارس نفسها، بل عن اسباب تعدي بعض المعلمين على التلاميذ بالضرب او الشتم او غيره في المدرسة.

إذن، السؤال الذي اطرحه: من المسؤول حقا عن العنف المدرسي؟ هل هو المعلم ام اختلاط الأدوار التربوية بين الاسرة والمدرسة؟

 

يعرف عالم الاجتماع ابن خلدون , التعلم في المقدمة بأنه ( تنمية للفكر وتحصيل الملكة العلمية) - الفصل الثاني باب العلم والتعليم-، مما يعني أن التعٌلم يهدف الى تطوير القدرات العقلية واكتساب المعارف والمهارات لدى الطفل وتمكينه من فهم ذاته والعالم من حوله، لذلك هو عملية معرفية محضة. 

 

بينما التهذيب يرتبط اكثر بالبعد الأخلاقي لسلوك الطفل وقد عرفه الإمام الغزالي في - إحياء علوم الدين- بأنه تطهير النفس من رذائل الأخلاق وتحليتها بالفضائل، وهو بذلك يمثل المرحلة الأخلاقية للتربية. 

 

اما التربية فهي نتاج الاثنين معا وهي مفهوم أشمل وأعمق، لأنها تصنع شخصية متكاملة، تتجاوز حدود التعلم الى بناء الانسان بشكل كامل. وقد قال جان جاك روسو في كتابه عن - التربية- أن التربية هي التي تجعل الانسان انسانا. لذا، من الضروري إدراك الآباء لهذه المفاهيم التي تساعدهم على فهم الطفل وطريقة التعامل معه.

 

الطفل لا يذهب الى المدرسة ليتعلم الأخلاق والتربية، فالمدرسة ليست مكانا لإصلاح ما أهمله الآباء في البيت. يجب أن يصل الطفل إلى المدرسة وهو يعرف احترام المعلم والزملاء، احترام القوانين والبيئة المدرسية و ضبط نفسه،. هذه الأمور ليست مهارات دراسية بل تربية منزلية.

 

عندما يرسل الاهل طفلا غير مهيأ، ثم يتوقعون من المعلم ان يعلمه ويهذبه، فهذا لا يعد عدالة تربوية. مهمة المعلم هي التعليم، وليس حمل نتائج التربية الناقصة. وعندما يخرج الطفل عن السيطرة في الفصل، المسؤولية الأولى تقع على الأسرة التي لم تهيئه. التربية تبدأ في البيت، والتعليم يبدأ في المدرسة، وكلما ضعفت الأولى انهار الثاني. لذا، على الآباء منح الطفل الوقت للتربية والتهذيب والانضباط قبل يقفوا أمام أبواب المدرسة.

في النهاية، يتضح أن العنف المدرسي ليس مسؤولية المعلم وحده، بل انعكاس لخلل في توزيع الأدوار التربوية بين الأسرة والمدرسة. الطفل الذي يُرسل الى المدرسة غير مهيأ ويفتقر للتهذيب والانضباط يضع المعلم في موقف صعب لا يمكن ان يتحمله وحده،

مثل تماما الوزارة المعنية مسؤولة عن التعليم الرسمي، البرامج، المناهج وتوفير المدرسين..، لكنها لا تتحمل مسؤولية التربية والتهذيب المنزلي، الذي يبدأ في البيت ويشكل الأساس لشخصية الطفل.

بالتعاون بين الأسرة والمدرسة ومع إدراك الحدود والمسؤوليات، يمكن بناء جيل متوازن قادر على التعلم والاحترام، وتحقيق مجتمع أكثر حضارة واخلاقا. المدرسة تعلم، والاسرة تربي، والاثنان معا يصنعان المستقبل الذي تحلمون به لأطفالكم.