عن جيل الثمانينات

ثلاثاء, 20/01/2026 - 12:27

جيل الثمانينات هو آخر أجيال السلام الذين عاشوا في موريتانيا وصمدوا في وجه استفزازات النظم العسكرية ومسحوا بطشها في جلودهم، كانوا دائما يستشعرون معنى الأممية داخل الحيز الجغرافي الموريتاني، وكانت نظرتهم إلى الكيان الموريتاني نظرة كلاسيكية مثالية جعلتهم يتحملون الفساد والذل بكل أنواعه، فساد التسيير وفساد التدمير، وذل الانتماء، 

فساد التسيير الذي حول ثروات البلاد إلى كعكة بين علية القوم ومنافقيهم وشحاتي المناسبات، وجعلت ذوي الجهالة يستثرون ويتطاولون في البنيان من ثروات الشعب المطحون وفساد التدمير الذي جعل البلاد كيان مهدد بالأخطار والحروب ، تحول تحت هذه التحديات إلى كلب حراسة يحرس الحدود الأوروبية ويحمي حماها، ويتخلى عن مهمة تسليح الدولة وبناء جيش قادر على حمايتها.
وذل لانتماء لما خضعوا لتجارب تعليمية أقصتهم بسبب انتمائهم العربي وجعلتهم يعيشون بطالة هجرتهم في بقاع الدنيا شتاتا بحثا عن رغد العيش في الوقت الذي يهيمن فيه أصنام الفرانكفونية وأفريائها على الوظائف والإدارات.

تحت وطأة هذه العناصر الثلاثة، ظل جيل الثمانينات يعتبر موريتانيا أمة لا بما هي عليه الآن، بل بما كانت عليه من ذكريات تاريخية قديمة..

لقد بين جان ماري جيهينو في كتابه نهاية الديمقراطية؛ أن الأمة هي ما كان عليه شعب من ذكريات تاريخية قديمة ومصير مشترك بما يحمله من رخاءا وشقاء، لا بما هي عليه الآن.

ولهذا السبب كنت دوما أطالب بضرورة تغيير الواقع السياسي بالثورة، عبر استغلال قيم الديموقراطية التي تخول للشعوب المضطهدة أن تعتصم وتتظاهر وتثور ثورة ناعمة لتغيير الأوضاع حفاظا على انسجامها وحماية لمستقبل بقائها.

 ومرد هذا أني أدرك ما يعنيه أن يصل جيل السلام (جيل الثمانينات) إلى منتصف العمر، ويستعد للانزواء جانبا لتأدية مهمة الأبوة المقدسة التي تحمل في ثنايا واجباتها خصلة الجبن، فالإنسان يظل شجاعا إلى أن يتملك أو إلى أن يصبح أبا، ساعتها يقيده الواجب والخوف من المجهول.

وتبقى قيم مثل تقديس حرمة الدم والحرص على عدم أذية الجار والخوف من ما بعد الموت ومن الحساب والعقاب حبيسة النفوس لا تطفوا على سطح الأحداث ولا تعرقل تهور أو فعل جماعي عنيف، لأن دفة القيادة ستكون يومذاك قد آلت إلى أجيال التسعينات والألفين، أجيال we don’t care وهذا هو جوهر الخطر الذي ينتظر موريتانيا مستقبلا ويخيفني حاضرا إن لم يسعفها الله ويحدث فيها التغيير المنشود قبل أن يصبح هذين الجيلين هم من يتولى زمام النضال.

لقد تربت غالبيتهم على خطابات عنصرية، وشحناء عرقية وانسلخوا من قيمهم الدينية، ولم يعد عندهم حرمة للدم ولا قدسية للجار ولا معنى للأمة.

 وإذا فشلنا في تغيير الواقع اليوم قبل أن تختار الدويلة العميقة رجلها الآخر عبر الانتخابات القادمة، ولم يمسح الشعب الطاولة بنفسه، واختار من يقود البلاد بعد ولد الغزواني، فإن موريتانيا غدا لن تكون هي موريتانيا اليوم.

فهم بعض السياسيين وملاك المال هذه النقطة مبكرا، وعملوا عليها بسبلٍ مختلفة، منهم من رحل أمواله خارج الوطن واختار جنسية بلد آخر، وفتح لأبنائه أبواب التعليم وفرص التوطين في ذلك البلد، ومنهم من تنقل من العاصمة إلى بلد القبيلة الأصلي في الداخل، وبنى مكانا آمنا وعزز قيم لانتماء القبلي لتكون قادرة على حمايته وحماية محيطه الأسري مستقبلا.

ولم يبقى اليوم داخل موريتانيا سوى سواد الشعب الضعيف وقد قسمته حادثات الأيام إلى جزء موبوء بالسرطان، وجزء موبوء بالكلى والتصفية، وجزء يكد ليلا ونهارا لإعالة الجزئين سالفي الذكر وهم جيل الثمانينات، وجزء هو الأجيال التي أتحدث عنها الآن (جيلي التسعينات والألفين).

لم يعد كثير من الوقت متاح الآن، بالكاد حولين أو ثلاثة قبل أن تتجسد هذه المخاوف على أرض الواقع، غير أن الشعوب دوما قادرة على صناعة المعجزات، ولا تخضع لقوانين لاستشراف، وكثيرا ما قدمت لنا شعوب دروسا في النجاة لم تكن أبدا تخطر على بال، وهذا ما أتمنى أن يحدث مع الشعب الموريتاني قريبا وقريبا جدا قبل فوات الأوان.

عبدالله محمد آلويمين