إشارات إلى القيم الكونية من واقع المجتمع الموريتاني

أربعاء, 07/01/2026 - 12:58
الدكتور محمد نافع ولد المختار ولد آكه

يتميّز المجتمع الموريتاني تاريخيًا بعمق ديني وأخلاقي واضح، تشكّل عبر المحظرة، واحتضنته القبيلة قديما، وجسدته التقاليد الاجتماعية المؤسسة على مكارم الأخلاق.

غير أن التحولات الاقتصادية والإعلامية المتسارعة أعادت طرح سؤال القيم بإلحاح:
ما الذي ينبغي الحفاظ عليه؟ وما الذي يجب مراجعته أو تجاوزه؟

في هذا السياق يلتقي ما يطرحه علم النفس الإيجابي المعاصر، طبقا لتصنيف VIA (Values In Action) للفضائل الإنسانية، مع ما قرره القرآن والسنة في تحديد سمات إنسانية إيجابية جامعة، وأخرى سلبية مدمّرة نرجو أن يختفي أثرها بجلاء من واقعنا اليومي الموريتاني.

أولًا: السمات الإيجابية في الميزان الموريتاني

1.    الصدق ركيزةً للثقة الاجتماعية

عرف المجتمع الموريتاني قديما بارتفاع منسوب الثقة في الكلمة، حتى كان "الوعد" في البادية يقوم مقام العقد المكتوب. غير أن تراجع الصدق في بعض المعاملات المالية والإدارية اليوم أضعف هذه الثقة، وأعاد أهمية التذكير بقيمة الصدق بوصفه أساس العمران الاجتماعي، لا مجرد خُلق فردي.

2.    الأمانة - من المحظرة إلى الوظيفة العامة

كانت المحظرة الموريتانية تربي الطالب على أمانة العلم قبل حفظ المتون، فالعلم يُورث مسؤولية. واليوم تظهر الحاجة إلى استحضار هذا المعنى في الوظيفة العمومية، وتسيير المال العام، حيث لا يكفي القانون دون ضمير حيّ.

3.    العدل بين العرف والقانون

يعتز المجتمع الموريتاني بأعراف قبلية كانت تهدف – في أصلها – إلى تحقيق الإنصاف ورد المظالم. لكن التحدي المعاصر يتمثل في تحرير العدل من تأثير الجاه والقرابة وغَزَوِيَّة القبيلة، وترسيخه كمبدأ فوق الجميع، كما قرره القرآن: ﴿ولا يَجْرمَنَّكم شنآن قوم على ألَّا تَعْدِلوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.

4.    الرحمة قيمة اجتماعية ومبدأ ديني راسخ

لا يزال التكافل الاجتماعي حاضرًا بمظاهر ومستويات متفاوتة، كإغاثة المحتاج ومواساة المريض وإكرام الضيف. غير أن ضغوط الحياة الحضرية بدأت تُضعف هذا البعد، ما يستدعي إعادة إحياء الرحمة باعتبارها صمام أمان اجتماعي.

5.    ضبط النفس - من مجالس العلم إلى الفضاء الرقمي

كان الوقار وضبط اللسان سمة بارزة في مجالس العلماء والوجهاء. أما اليوم، فقد أفرزت وسائل التواصل الاجتماعي نمطًا من التسرع والانفعال، مما يجعل استعادة خُلُق الحِلم وضبط النفس ضرورة أخلاقية ملحّة.

6.    الشجاعة الأخلاقية في قول الحق دون تهوّر

عرفت موريتانيا نماذج علمية واجتماعية وقفت في وجه الانحراف أو الظلم بالكلمة المسؤولة. والتحدي اليوم هو ترسيخ الشجاعة المتزنة : قول الحق دون فوضى، والنصيحة دون تشهير.

7.    الحكمة ميراث الشيوخ والعلماء

كانت الحكمة تُكتسب من التجربة الطويلة، ولذلك كان لكبار السن مكانة مرجعية.
وفي زمن السرعة، تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للحكمة بوصفها تريثًا وبُعد نظر، لا ترددًا أو جمودًا. وتناط هذه المهمة بفئة الشباب والقائمين على التربية تخطيطا وتنفيذا.

8.    التواضع قيمة اجتماعية أصيلة

رغم المكانة العلمية أو القبلية للأفراد والجماعات، ظل التواضع قيمة ممدوحة في الثقافة الموريتانية. غير أن بعض مظاهر الاستعراض الاجتماعي الحديثة تهدد هذا الخلق، مما يستدعي ترسيخه تربويًا وإعلاميًا.

9.    الإحسان روح المجتمع

يتجلى الإحسان في صور متعددة: كرم الضيافة، تفريج الكرب، الإحسان في القول والفعل.
وهو ما منح المجتمع الموريتاني تماسكه في أوقات الشدة.

 

ثانيًا: السمات السلبية وانعكاساتها المحلية

تظهر بعض الصفات السلبية اليوم بشكل مقلق، منها:

الكذب في المعاملة: خاصة في البيع والوعود الوظيفية.
المحاباة والظلم: حين يُقدَّم القريب أو صاحب النفوذ على الأكفأ.
القسوة اللفظية: في الفضاء الرقمي والنقاش العام.
الأنانية الاجتماعية: على حساب المصلحة العامة.
الغش: في التعليم أو التجارة.
الجبن الأخلاقي: بالصمت عن الخطأ خوفًا أو مصلحة.
وهي سمات لا تمثل جوهر المجتمع، لكنها إن تُركت دون معالجة، تهدد بنيته الأخلاقية.

خاتمة

إن استعادة السمات الإيجابية الكونية، كما قررها القرآن والسنة، وكما يؤكدها علم النفس الإيجابي اليوم، ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية. فبصلاح الإنسان يصلح المجتمع، وبترسيخ القيم يُبنى المستقبل.

وفي موريتانيا، حيث يتلاقى العمق الديني مع التحديات المعاصرة، تظل هذه القيم الجسر الآمن بين الأصالة والتجديد.