
مما وعيناه صغارا أن مغردة الحي لا تُطرب وأن العود في أرضه نوع من الحطب، ويشاء الله أن تتجسد الأمثال واقعا مريرا يترجمه حال تعاطينا في وطننا مع نخبنا ذات العطاء المعرفي الثر الكافر بالحدود والمتاريس العالمية، وهذا جار أبي حنيفة فأين أبو حنيفه؟!
حين تتياسر الأقلام العالمية عطاء الدكتور المفكر محمد ولد احظانا نقدا وتثمينا وإشادة وتؤلف عنه الكتب الدالة مغترفة من معين عبقرية يراعه تراه بيننا كبيت حسان في ديوان سحنون، تُذبل الدولة طراوة عوده وتمعن في جحوده، ويزّاور عنه اهتمام الدوائر الثقافية ذات اليمين وذات الشمال فتبخل عليه بتكريم يعتام فساكل المثقفين الواغلين في الحقل الذين لا يُدلون بعقل ولا بنقل.
ويشاء الله كما شاء في الأولى أن يقيض لهذا الرجل الغُرُب بين ذويه من يتفيأ ظلال عبقريته، فتتكشف له رأي العين تألقا طاغيا يأخذ بمجامع الألباب ويدفع إلى الكتابة عن وعي بهذه الظاهرة الفريدة (فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين):
في الآونة الأخيرة أصدر لفيف من الأساتذة الجامعيين في دولة الجزائر كتابا عن رواية(هجرة الظلال) وكان القاسم المشترك لذلك الجهد المعرفي هو الانبهار بالرواية سبكا وحبكا وموضوعا واعتبارها عملا رائعا ورواية راقية اجتماعية عجائبية مدهشة. تناول كل دكتور جانبا من جوانبه الغنية فجاء كتابهم من سبعة فصول:
الفضل الأول: أسلبة الخطاب وتعدد الموضوعات في رواية هجرة الظلال. وقد تناولته الدكتوره الأستاذة الناقدة انشراح سعدي من جامعة الجزائر وقد طبقت عليه منهج النقد عند "باختين".
الفصل الثاني: البناء العاملي وعلاقته بالمكان في رواية هجرة الظلال.
وقد تناولته الدكتورة ليلى القاسحي، مطبقة عليه نظريات النقد الحديث وخاصة منهج اكريماس في نقد الرواية.
الفصل الثالث: حوارية التناص في رواية هجرة الظلال. وقد تناوله الدكتور بومدين ذباح، من منظور نقد باختين وغيره..
الفصل الرابع: استراتيجية الكتابة على نسق النص الرحلي،
وقد تناولته الدكتوره زليخة ياحي، معتمدة على مناهج دراسة أدب الرحلة.
الفصل الخامس: بنية الزمن في السرد الموريتاني: رواية هجرة الظلال نموذجا، وقد تناولته الأستاذة الكاتبة أميرة بن قيدح، معتمدة على دراسات حديثة حول شعرية الرواية.
الفصل السادس: السرد العجائبي في رواية هجرة الظلال، وقد تناولته الدكتورة ليلى محمد جودي، مطبقة عليه مناهج حديثة من بينها منهج فراس سواح في دراسة مغامرات العقل الأولى.
الفصل السابع: حجاجية الخطاب السردي الموريتاني: رواية هجرة الظلال لمحمد بن احظانا نموذجا،
وقد تناوله الدكتور محمد مزليني معتمدا في دراسته على منهج فيليب بروتين.
ولو لم نجن من هذا الكتاب غير الاعتراف بعالمية السرد الموريتاني لكان ذلك مكسبا عظيما ونحن الذين دأبنا على استيراد الساردين وتحكيمهم في أعمالنا الأكاديمية المتعلقة بالسرد، وذود أمثال الدكتور احظانا عن ذلك المجهود إشرافا ونقاشا، مع أن هذه الكوكبة الآنفة من الباحثين لم تملك إلا أن تبدي إعجابها بأعمال هذا الكاتب التي وصلت حد العالمية سواء تعلق الأمر بأعماله الروائية أو الفكرية أو الاستشرافية.
وأعلم أن هذا الكاتب الصبور يعلم أنه في وطن ينطح خير حالبيه، ولا تمنح أشجاره ظلالها إلا لمن ابتعد عنها، بل إنهم أهل وطن يجدون لذة سادية في أنين ذوي قرباه،
لكن ولد احظانا ما زال ضانا عليه بذلك الأنين، ألم أقل لكم إنه كاتب صبور؟