المرابطي الأخير.. الشيخ الحاج

أربعاء, 18/07/2018 - 19:23

حيا الله "كلاكه" وسقاها الحيا، فقد تشرفت بزهو علماء الأمة الحاج بن فحفو حيا وميتا، وربط على قلوب تلامذته ومحبيه، وجبر كسر الأمة في فقده، فقد كان أمة وحده، ومفخرة لموريتانيا، التي يحق لرئاستها أن تبرق للدول المختلفة بأن مصابا جللا قد ألم بها يستدعى تقاطر برقيات التعزية؛ ووفود المعزين.
قرن من الأنوار وعشر من بعدها ثلاث من السنين، وما ينفع الناس يمكث في الأرض، عاشها القدوة البركة، ما طرق باب سلطان ولا تاجر ولا شاويش.
كانت حياة الحاج لله وفي الله، فأحبه عباد الله، وهمى الدمع ساخنا من مئات المآقي التي أحبت الشيخ ولم تكتحل بمرآه، وإن كانت لتود لو أن الله ذلك..
*
من عباد الله قوم رضي الله عنهم، فجعلهم علامات شاهدة في الأرض ليقيم بهم الحجة، يصبرون على ضنك العيش وقساوة الظروف، ويتعالون على المغريات فيجسدون حياة يراها غيرهم ضربا من الخيال، همهم الله، وتطبيق أوامر الله واجتناب نواهيه، فلله هم، ويا حسرتنا نحن الذين أسرفنا في جنب الله.
لكن عزاءنا، أنا والله نحبهم ونغبطهم ونرجو أن نحشر معهم، فالمرء مع من أحب..
من أولئك فخر تكانت بل فخر موريتانيا بل فخر الأمة، الذي عاش في ذرى ظهر تكانت الأشم، فوق صهوة كلاكه، التي تعيى دونها فرص الوعول، انعزل هناك، لكن التلاميذ والمقتبسين عشوا إلى سناه، فسار هديه شرقا وغربا، وعبر قارات الدنيا الخمس، وفي الملأ الأعلى الذكر الأرفع، والخير مثوبة عند ربك.
ملأت فضاء التويتر اليوم التدوينات الموتورة الصادقة الصادرة من القلب وإلى القلب، تبكى طود موريتانيا.
تدوينات بشتى لغات العالم، كان قاسمها المشترك وسم المرابط الحاج، والمرابط الحاج ماركة علم وعمل وهدى ونور وضياء، يهدي الله لنوره من يشاء.
*
كان الشيخ الحاج بن فحفو من أوتاد العلم والتقى؛ الذين بهم تثبت أرض الله..
حزينة موريتانيا اليوم.. ومكلوم هو دين الله اليوم.. وثكالى هم طلاب العلم وعامة المسلمين..
لم ألق الرجل يوما.. لكنني أحسبه من الحواجز التي كان بقاؤها فينا أمانا من الشر والمكروه..
*
حج بيت الله راجلا قبل ثمانين سنة، بعد أن نهل من العلوم وعل، وعاد إلى حيث ألقى رحله هو والزهد والعلم.. بعيدا عن بهرج الدنيا وزينتها..
*
عاش منعزلا في جبال تكانت؛ لكن ألقه طاف الكون؛ وأضاء زوايا العالم..
زهد في ما بأيدي الناس؛ فأحبه الناس..
الحاج ولد فحفو شعلة نور تحيل إلى زمان الطهر والنقاء والطيبة؛ وكل تلك الأشياء الجميلة التي نبحث عنها ولا نجدها..
الحاج ومضة من عبق المرابطين؛ ونثار نور كان يضيء عتمة ليلنا..
ليجد البطن الأمسمي هنا؛ ومن خلفه كل جمع لمتونة العظيمة الذين بهم تبسم الدين في هذه الربوع أول مبسم؛ وليجد كل الشعب الموريتاني؛ وجميع المسلمين على اختلاف ديارهم خالص العزاء في كوكب أضاء ثم غاب؛ وبقي سناه على اختلاف الليل والنهار؛ مجسدا في علم بثه الشيخ في قلوب الرجال..
تناهى هذا الحزن حتى لم يعد في الكأس بقية..
اللهم الطف بنا؛ واخلفنا منه بعلماء أعلام يسيرون على نهجه وهديه..
أما هو فأنا متأكد أن ما عند الله خير له من هذه الدار؛ ولكننا هنا في هذا المنكب حزانى وثكالى ويتامى في يوم الله هذا..
لقد كان؛ أحسبه كذلك؛ من دفع الله الذي يدفع به البلاء عن العباد..
اللهم ألطف بنا..
**
ما زال بحمد الله في موريتانيا علماء أعلام لم تحترق أيديهم ولا أفواههم بسخونة مرق السلطان.. اختاروا الضواحي والقرى على البهرجة وأضواء المدينة وشاشات التلفزيون.. وإن كان أشهرهم وأبعدهم صيتا؛ وأكبرهم الحاج بن السالك بن فحفو؛ سقت قبره ب"كلاكه" في ذرى تكانت الشماء؛ دلح هواطل الرضى والتبجيل..
**
حبا الله مسومة؛ الجذم اللمتوني الماجد؛ أن نمت علماء أعلاما؛ كانوا ملء سمع الزمان وبصره.
يكفي في مجال الفخر أن نتهجى اسم لمرابط الحاج؛ وإن عرجنا على بقية نجوم السلسلة يتيه الفخر؛ ويستبد الجذل بالجذل.
فتيها وفخرا تغلب ابنة وائل.. فأنت لخير الفاخرين قبيل..
*
منذ أن استصحب الأمير يحي بن عمر الشيخ عبد الله بن ياسين من عند الشيخ وجاج بن زلو ؛ بوساطة من الشيخ أبي عمران الفاسي إلى هذه الربوع؛ تمر السنون ولا يفتؤ في أحفاد المرابطين من ينشر دين الله وعلوم الهدى حسبة وابتغاء الدار الآخرة.
ولن يكون الحاج (سيدي محمد) بن السالك بن فحفو آخر حبات المسبحة؛ فهي كلمة باقية في أعقاب أحفاد المرابطين الأول..
أرتال الهداة من المرابطين وأبناء المرابطين تضيق عنهم المجلدات؛ وحسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق..
لقد كان يحي وأبو بكر ويوسف صادقين مع أنفسهم ومع ربهم؛ ولولا ذلك لكان قبس الرباط قد خبا تحت عوامل التعرية والتصحر والزوابع ولفح سموم المنكب وحملات الموحدين وصولات الأعوام الشهب؛ لكن سبق في الأزل أن ما كان لله دام واتصل؛ وأنه سبحانه يستحي أن ينزع البركة من موضع قد جعلها فيه..
حسنات يحي بن عمر سجل مفتوح بإذن الله إلى يوم الدين، وإن رجلا من حسناته بعد ألف عام جبل مثل الحاج بن فحفو؛ ونجم مثل بداه ولد البوصيري؛ لرجل يحبه الله ويرضى عنه..
*
شعور ما يساورني منذ أن قرأت خبر رحيل المرابط الحاج؛ قبيل العاشرة من صباح اليوم، وهو أن سور كبيرا يحوطنا بإذن الله من الأسواء تهدم، وأنا أضحينا بقاع صفصف..
رحم الله بقية السلف الصالح.. وأجزل لنا جميعا ثواب الصبر والسلوان.. ولله الأمر من قبل ومن بعد..
محمد ناجي ولد أحمدو