الحلقة الثانية (البــــــاب الأول) برنامج لجيل يريد الحرّية والمساواة../ أحمد يحياوي " الجزائري "

ثلاثاء, 12/03/2019 - 18:46
أحمد يحياوي " الجزائري "

مقومات التنمية الشاملة

  

   تردد في السنوات الخـمس الأخيرة مصطـلح مهـم في منظومة العلوم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية‏ ,‏ وهو مصطلح التنمية بمضاميـنها المختـلفـة حيث برز أولا مفهوم التنمية الاقتصادية‏,‏ أي زيادة الإنتاج المادي والأرباح والدخول‏,‏ ثم اتضح أن هذه التنمية وحدها تؤدي إلي العديد من المكاسب الاجتماعـيـة ‏,‏ هـذا إلـي جانـب أن التنمية الاقتصـاديـة تتطـلب كـوادر ومـهارات إدارية وفنـية وعمالـة ماهـرة وصحة جسمية ونفسـية ومهنـية‏..‏ 

 وهـذا ما أدى إلى بـروز مفهـوم التنمية الاجتماعية‏.‏ وهذه تتصل بالتنمية في مجال التعليم والصحة والـرعايـة الاجتماعـية وتحسـين مستـويات معيشة الناس وترقية حياتهم‏,‏ ونتيجة للعـلاقـة الجـدلية أو التـفاعـلية أو التـبادليـة بين التنمية الاجتماعية والتنمـية الاقتصاديـة‏ , ‏فإن مستـويات التعليـم والصحة والـرعايـة الاجتماعية والمادية والنفسية للناس تتطلب ميزانيات تقـررها التنـميـة الاقتـصادية‏ ، ثم إن هذه الأخيرة‏ ، أي التنمـية الاقتصادية تفتـرض بناء الإنسان المتعلم القادر على الإنتاج الممتلك لمهارات العمل الفني أو الإداري والإتقان فيه وتجويده‏,‏

   الإنسان الصحيح جسـديا ونفسيا هو القادر علي الأداء الاقتصادي والراغب فيه ،‏  لهذا برز مصطلـح جديد هـو مصطـلح التنمـية الشاملـة الـذي يتضمـن زيادة الإنـتاج والخدمات وتحقيق العدالة والحرية والمساواة‏.‏

  والمـتأمل فـي الديـن الإسـلامـي الحنيف يتيـقن أن هـذا الدين استنادا إلي مصدريه الأساسيـين القـرآن والسـنة قـد أكـد أن التنمـية الشاملة ـ الاقتـصاديـة‏,‏ الاجـتـماعـية‏,‏ البشرية‏,‏ الأسرية‏,‏ الإدارية‏,‏ السياسية‏...‏ ـ فريضة دينية تدخل في مفهوم العبادة‏,‏

قال تعالى في سورة هود‏ :‏ 

{هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها‏ }.‏

   وقد جعل الإسلام كل مقـومات النهـضة والتقـدم الشامل والتنمية عـبادة لله يتقـرب بها العبد من ربه‏,‏ ويمكن تحديد أبرز هذه المقومات فيما يلي ‏:‏

‏    *‏ إعلاء شأن العقل وضرورة إعماله‏..‏ لفهم سنن الله في الكون وفي التاريخ وفي المجتمع‏ ,‏ والانتفاع بهذا الفهـم فـي بناء العلـم النافـع وما يتـرتب علـيه من تطبيـقات تكنولوجية تساعد الناس على الانتفاع بالمسخرات الكونية لتحقيق التقـدم الاقـتصادي والاجتماعي من جهة ولزيادة الجرعة الإيمانية عند الناس من جـهة ثانية‏,‏ ولإطلاق طاقـات الإبـداع العقـلـي والعـلمـي لعـمارة الأرض وعـمارة النـفـس وعـمارة العـقل وعمارة المجتمع‏ .

‏  ‏ *‏ إعلاء قيمة العمل المتقن‏..‏ وهو ما يطلق عليه علم الجودة الشاملة‏..‏ قال تعالي ‏:‏ 

{  وقـل اعملوا فسـيرى الله عملكم ورسـوله والمؤمنون‏ }, ‏

ويقـول علـيه الصـلاة والسلام‏ :‏   " إن الله يحب إذا عـمل أحدكم عملا أن يتقنه  "‏.‏ 

وقـد وصـف الله نفـسه سبحانه وتعالي بأنه صانع متقن‏ .‏ يقول تعالي‏:‏ {صنع الله الذي أتقن كل شيء‏},‏ ويقول عليه الصـلاة والسـلام ‏: ‏ " إن الله كتب علـى نفسه الإحـسان فـي كل شـيء  " ‏,‏ ولا شك فـي أن الإتقان أهـم عنـصر فـي مجال التنمية سواء فـي الإنـتاج الاقتـصادي أو التربوي أو الإداري أو الاجتماعي‏..‏

‏  *‏ العدل في كل الأمور علي المستوي الاقتصادي والاجتماعي‏..‏ فالعدل هو أساس بناء المجتـمع الآمـن المستـقـر المتعاون المتـكافل‏.‏ والقـرآن يطالبنا بالعدل حتـي مـع الأعـداء أو الوالديـن والأقـربين،{ ولا يجرمنكم شـنآن قـوم علـى ألا تعـدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى}‏,‏ ويقول تعالي‏  : { إن الله يأمــر بالعـدل والإحـسان وإيـتاء ذي القربي وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون }‏.‏

    هذه القيم العليا في الإسلام ـ العدل‏,‏ الإحسان‏,‏ بر الوالدين والأقارب ,‏ والبعد عن كل ما يتصل بالفحشاء والمنكر والبغي ـ هي الأساس الأول لأي تنمية ناجحة مستمرة‏.‏

‏ *‏ إعلاء قيمة العمل الجماعي‏..‏التعاون وروح الفريق فلا تقدم دون عمل فريقي ولا تقدم مع سيادة الأنانيـة والفـردية‏.‏ والإسلام يـؤكد على الجماعة في الصـلاة والصيام والحج‏,‏ فكـل عباداته جماعيـة‏,‏ وصـلاة الجماعـة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة‏ ,‏ ومن شذ على الجماعة شذ في النار ‏,‏ ويد الله مع الجماعة‏ ,‏ يقول تعالي ‏:‏           

           {  وتعاونوا علي البر والتقوي ولا تعاونوا علـي الإثـم والعـدوان }‏, ‏

    والناظـر فـي تاريخ المسلمين أو تاريـخ الأمـم التـي تقـدمت يلاحـظ أن العـمل الفريقـي هـو أساس تقدمها والإسلام يحض على الوحدة والتجمع والاعتصام بحبل الله‏,‏والبعد عن التفرق والتمزق والفردية والأنانية‏,‏ ففيها الهلكة والتخلف والتبعية والسقوط ‏.‏

‏     *‏ احترام قيمة الوقت‏..‏  فالإسـلام يؤكد أهمية استثمار الوقت لأنه يساوي ـ حياة الإنسان ـ والصلاة كتاب موقوت‏,‏ وصوم رمضان يرتبط بوقت محدد‏,‏ وكذلك الحج‏,‏ فاحترام العمل المنتج واحترام الوقت أساس للتقدم والتنمية ‏,‏ وسـوف يسـأل الإنـسان عند ربه عن حياته وشبابه ووقته كيف قضاه وأنفقه‏ . ‏

‏   *‏ أعطي الإسلام قيمة كبري للمال‏..‏ فهو في الإسلام قوام الحياة‏,‏ وأكد الرسول ـ صلى الله عليه وسلـم  ـ  أن نعـم المال الصالح للعبد الصالح‏ ,‏ وكان يسأل الله الهدى والتقى والعفاف والغنى‏ ,‏ وجعـل كـل السبل على جمع المال الحـلال أمـرا مشـروعا مندوبا وفي مقدمته العمل والزراعـة وإحـياء الأرض المـوات والصـناعـة‏,‏ وقد كان أغلب أنبـياء الله صناعا يتقـنون أعمالهـم ـ فنوح علـيه السـلام كان نجارا‏,‏ وإبراهــيم وإسماعيل بناءين‏ ,‏ وداود حدادا يصنع الدروع‏,‏ وإدريس خياطا‏..‏ والمال أساس مهم من أسس التنمية ‏.‏

‏   *‏ سيادة المعايير العامة أو سيادة القانون على الجميع دون استثناء‏..‏  بغض النظر عن الدين والعرق والطبقة والطائفة والغنى والفقر‏ ,‏ فالعدل يقيم الدول‏,‏ والظلم يؤذن بسقوط العمران كما أكد بن خلدون‏,‏ والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول‏:‏

إذا قتل امرئ ظلما‏,‏ كان القاتل في النار حتـى وإن كان المقتول كافرا‏.‏ وقد قال ـ  صلى الله عليه وسلم ـ عندما شفع لديه أسامـة فـي حد مـن حـدود الله قال‏:‏

لـو أن فاطـمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها‏.‏

    هذه أبرز شروط التنمية وعناصرها‏,‏ ركـز عليـها الإسـلام وجـعل منـها فـريضة دينية‏,‏ والسؤال المحير الذي نواجه به من أنفسنا ومـن غـيـرنا‏,‏ إذا كان دينـنا يحـض على هـذه الكنـوز الثميـنة التـي تحقـق أقصـى درجات النهـضة والتقـدم ‏,‏ فكيف نفسرما فيه المسلمون والمجتمعات الإسلامية من تخلف وتبعية وذلة وهوان؟  

لقد وصف الله بني إسرائيل لأنهم حملوا التـوراة ثم لـم يحملوها،بأنهم كالحمار{مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحـمار يحمـل أسـفارا‏},‏ فما الوصف الـذي ينطبـق علـي مسلمي اليوم وقد حملوا التوراة والإنجـيل والـزبور وصحف موسـى وحملوا الكتاب الخاتم وهو القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ؟‏!‏

    وما السبيل إلى العودة إلى المنهج الإلهي في الوحدة والاعتصام بحـبل الله وبـناء القوة وبناء المجتمع القادر على أداء واجبات الاستخـلاف‏..‏ هـذا يحـتاج إلـى حـديث طويل وتشخيص موضوعـي للـداء قبل وصف الـدواء‏.‏ لكن الحـل يتمـثل فـي إحـياء المنهج الإلهـي فـي بـناءالمجـتمع الـذي يتمـثل فـي إحـياء أربـعة مفاهيم أساسية هي‏:‏

‏    *‏ إحـياء المفهـوم الصحـيح للعـبادة ـ أداء الفـرائض والتعاون بين الناس وعمارة الأرض‏.‏

‏   *‏ إحـياء مفـهوم التنـمية وهـي عـمارة الأرض ـ العـلم والتطبيق العلمي في مجال الصـناعـة والتجـارة وإحـياء الأرض المـوات والتعلـيم وتحسين نوعـية الحـياة علـى الأرض‏.‏

‏  *‏ إحياء المفهـوم الشامل للعـمارة فـي الإســلام ـ عـمارة الكون‏,‏ وعمارة الإنسان ـ عمارة عقله وروحه وبدنه ونفسه‏,‏ عمارة الدنيا وعمارة الآخرة‏,‏ والوصول بالإنسان إلى حد الكفاية والتمتع بالطيبات والمعيشة الكريمة‏,‏ والشعور بالأمن الشامل‏:‏

‏(‏أ‏)‏ عمارة الروح بالإيمان والأخلاق ‏.‏

‏(‏ب‏)‏ عمارة النفس بالعبادات ‏.‏

‏(‏ج‏)‏ عمارة المجتمع بالإنتاج ـ الكفاية والعدل ‏.‏

‏   *‏ إعادة مفهوم بناء القوة ـ العلمية والتكنولوجـية والاقتصادية المؤسسة على القوة العقائدية والإيمانية لأداء واجبات الاستخلاف ونشر الحق والعـدل والدعـوة إلـى الله بالحكمة والموعـظة الحسـنـة ‏,‏ والحسـنـى لكـل سكـان الأرض‏ ,‏ فضـلا عـن نصـرة المظلمين‏,‏ وردع الأعداء ومنعهم من التفكير في الاعتداء على المجتمع الإسلامي ‏.‏